هل يواجه ترامب “حرب لا تنتهي” في إيران
يفتقر الرئيس ترامب إلى استراتيجية لإنهاء الحرب وفقاً للمصالح الأميركية، وحتى الآن، لم تحقق الحرب أياً من الأهداف السياسية التي أعلنها ترامب في البداية.
دخلت الحرب الأميركية-الإيرانية مرحلة جديدة بعد أيام من استئناف القصف المكثف، وبعد عودة الرئيس ترامب إلى التهديدات، التي صاحبت الأيام الأولى للحرب الأميركية-الإسرائيلية في فبراير/شباط الماضي باستهداف المرافق المدنية، مثل الجسور وغيرها من البنية التحتية، والتي تعتبر جرائم حرب، وبعد تناقض التصريحات العلنية للرئيس ترامب حول مضيق هرمز، التي عكست تخبطه في الخروج من حرب مكلفة ومعقدة، اعتقد أنها لن تستغرق أكثر من أربعة إلى ستة أسابيع، وأصبحت الآن في شهرها الخامس. وإضافة إلى استئناف العمليات العسكرية، صعّد ترامب ضغوطه على إيران بإعادة فرض الحصار على الموانئ الإيرانية. وبعد شهر من توقيعها، انهارت مذكرة التفاهم ومعها اتفاق وقف إطلاق النار، وتوقفت المفاوضات، وتحول الهدف الأساسي من الحرب، أي مستقبل البرنامج النووي الإيراني، إلى موضوع آخر خلقته الحرب واستغلته إيران، أي السيطرة على مضيق هرمز.
وكان ترامب قد أعلن، خلال مقابلة تلفزيونية في خطوة ارتجالية أن الولايات المتحدة، بصفتها “حارس” مضيق هرمز، سوف تفرض الرسوم على السفن التي تعبر المضيق بنسبة تصل إلى عشرين بالمئة من حمولاتها، متجاهلاً في ذلك القانون الدولي، والتأكيدات العلنية التي صدرت عن وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس، أن واشنطن ترفض فرض مثل هذه الرسوم. وفي أقل من يوم، عاد ترامب عن موقفه، لأن بعض قادة دول الخليج اتصلوا به، واقترحوا حلاً بديلاً يقضي بزيادة استثماراتهم المالية في الولايات المتحدة. هذا التقلب في مواقف ترامب لم يفاجئ أحداً، لأنه ينسجم مع قرارات ترامب آحادية الجانب والمتقلبة، مثل تأرجحه بين الإهانات للقيادة الإيرانية، أو كيل المديح لها، وبين التهديد بتدمير “الحضارة” الإيرانية، وبين التنويه بأهمية إيران وشعبها.
الرئيس ترامب هو الشخص الوحيد الذي يتحدث يومياً تقريباً عن العمليات العسكرية، وما تخطط له القيادة العسكرية، دون العودة إلى مستشاريه السياسيين والعسكريين. والحرب التي كان يفترض أن تبقى محصورة بإيران، وأن تؤدي إلى تدمير الترسانة الإيرانية، وربما اسقاط النظام بعد اغتيال قادته، حوّلها قادة إيران الجدد إلى حرب اقليمية فوق رقعة جغرافية امتدت من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط، وأدت إلى تدمير بعض المرافق الحيوية في دول الخليج العربية، وإلى مقتل آلاف المدنيين في إيران ولبنان، والتسبب في عرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز بعد أن أغلقته إيران، وخلق الاضطرابات في أسواق الطاقة في العالم، ما أدى إلى ارغام المستهلكين، بمن فيهم الأميركيين، على تحمّل ارتفاع أسعار الوقود.
استئناف القتال لا يعكس فقط فشل الجهود الديبلوماسية، بل أيضاً انعدام الثقة التام بين واشنطن وطهران، الذي دفعهما إلى استخدام مذكرة التفاهم ليس كخارطة طريق إلى حل تفاوضي، بل لاستمرار النزاع بوسائل مختلفة بين دولة عنيدة مثل إيران تملك الإرادة والقدرة على تحمل الضربات الموجعة، ورئيس أميركي، دونالد ترامب، الذي اعتاد، وخاصة في ولايته الثانية، على فرض إرادته على الدول الأخرى بما فيها الحليفة، والذي اعتقد أنه يستطيع أن يكرر نجاحه العسكري السهل في فينزويلا، في دولة مثل إيران، تبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة، وورثت حضارة عمرها حوالي ثلاثة آلاف سنة.
مذكرة التفاهم انبثقت عن مفاوضات بين فريق إيراني محترف، يملك أعضائه معرفة بالبرنامج النووي، ولهم خبرة عسكرية وسياسية طويلة، وبين فريق أميركي يفتقر إلى الخلفية السياسية، وله خبرة في العقارات والاستثمارات. ولذلك لم يكن من المستغرب أن تتضمن المذكرة غامضة الصياغة بعض البنود التي تخدم مصالح إيران، بما فيها البند الخامس الذي يعطي طهران دوراً في تنظيم الملاحة عبر المضيق، والتي تدور الحرب الآن حول تفسيره. وإذا لم تستطيع واشنطن وإيران تنفيذ مذكرة تفاهم وجيزة، ما الذي يجعل أي اتفاق في المستقبل ملزم، وليس فقط مجرد هدنة مؤقتة في “حرب لا تنتهي” كما كان الرئيس ترامب يندد بحربي أفغانستان والعراق لسنوات؟
رهان الرئيس ترامب الخاطئ بأن التفوق الأميركي الجوي – استبعد في أكثر من مناسبة استخدام القوات البرية – كاف لإرغام إيران على قبول شروطه، وضعه في مأزق مماثل للمأزق الذي عانى منه رؤساء أميركيين سابقين في تعاملهم مع المنطقة الممتدة من أفغانستان حتى البحر المتوسط مثل جيمي كارتر وجورج بوش الابن وباراك اوباما وجو بايدن. إيران قضت على طموح الرئيس الراحل جيمي كارتر بالتجديد لولاية جديدة، بعد إهانته بخطف موظفي السفارة الأميركية في طهران. الرئيس بوش الابن لم يعتقد أبداً أن تورطه في حربي أفغانستان والعراق سيستمر لسنوات طويلة، وسيكلف الولايات المتحدة آلاف الخسائر البشرية، وهدر المليارات في حربين خسرتهما أقوى قوة عسكرية في العالم، في مجتمعات تحكمها نخب سلطوية بالغالب قادرة على الصبر واستيعاب الضربات الموجعة، أكثر من المجتمعات الصناعية. وأمضى كل من الرئيسين أوباما وبايدن سنوات طويلة في محاولة الخروج من أفغانستان والعراق.
منذ بداية الثورة الإسلامية في 1979، والمسؤولون والمحللون في الولايات المتحدة يتحدثون دوماً عن الصراع في طهران بين التيار “المعتدل” والتيار “المتطرف”. وهذا ما تفعله الآن إدارة الرئيس ترامب التي تضع اللوم على قيادة الحرس الثوري المتطرفة، المسؤولة عن مهاجمة السفن التي لا ترضخ لشروط إيران لعبور المضيق. ولكن وفقاً للمواقف العلنية للمفاوضين والمسؤولين الإيرانيين، وقادة الحرس الثوري وغيرهم من صناع القرار في الجمهورية الإسلامية تبين أن كل التيارات في إيران متحدة في الاصرار على استمرار السيطرة والإدارة الإيرانية للملاحة عبر المضيق. ولا يوجد أي شيء في تاريخ الجمهورية الإسلامية يبين أنها ستتخلى عن مضيق هرمز.
وتتصرف إيران الآن وكأنها الطرف الذي يتحكم في شروط وظروف إنهاء النزاع، وفي الوقت ذاته، فإن إحراج واحباط وتخبط ردود فعل الرئيس ترامب تساعدها على اجراءاتها. حين أعلن ترامب خلال قمة حلف الناتو في أنقرة أن مذكرة التفاهم قد انتهت، وجه سلسلة من الاهانات البذيئة للإيرانيين، واصفاً اياهم بأنهم حثالة ومرضى وأشرار. ونسي ترامب أنه قبل أسابيع مدح بسخاء المفاوضين الإيرانيين حين قال “نحن نتعامل مع أشخاص أعتقد أنهم عقلانيون جداً، ومن السهل التعامل معهم، وهم أشخاص أقوياء وأذكياء وغير متطرفين”. آنذاك استخدم ترامب مذكرة التفاهم بمثابة تذكرة للخروج من حرب مكلفة ضد خصم عنيد صمد أمام الخراب الكبير، الذي جلبته الطائرات والصواريخ الأميركية والإسرائيلية.
من الواضح أن الرئيس ترامب يفتقر إلى استراتيجية لإنهاء الحرب وفقاً للمصالح الأميركية، وحتى الآن، لم تحقق الحرب أياً من الأهداف السياسية التي أعلنها ترامب في البداية. النظام الإيراني لا يزال صامداً، ويواصل قمعه في الداخل وتطرفه في الخارج، وإظهار قدرته على استيعاب الضربات القاسية التي يتلقاها. وعلى الرغم من خسائرها العسكرية الكبيرة، لا تزال إيران ترد عسكرياً ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وتواصل اصلاح منشآتها النووية، وإعادة بناء الصواريخ والمسيرات، واكتسبت سلاحاً جديداً عندما سيطرت وأغلقت مضيق هرمز، وغيرت قواعد اللعبة. ومن المستغرب أن القيادة العسكرية الأميركية لم تعط أي تفسير لعدم توقعها اغلاق المضيق على الرغم من أن معظم الدراسات والمناورات الافتراضية كانت تقول العكس.
ليس من الواضح كيف يمكن لاستئناف الغارات المكثفة أن تؤدي هذه المرة إلى نتائج تختلف عن نتائج الحرب الجوية الأميركية-الإسرائيلية؟ ويبدو أن كل من الولايات المتحدة وإيران، يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الطرف الأخر. ترامب يراهن على هشاشة الاقتصاد الإيراني، والقيادة الإيرانية تراهن على الصمود أكثر من الرئيس ترامب لأسباب سياسية ــ الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل ــ وارتفاع أسعار الوقود. محللون عسكريون يسمون هذا المأزق بأنه “حرب لا تنتهي”.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.