"*" indicates required fields

This field is for validation purposes and should be left unchanged.

اشترك

عند الاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية المعتمدة لدينا.

Subscription Settings
التحليلات

ترامب في مواجهة أخطر أزمة خارجية

اتخذ ترامب قرار الحرب بعد أن أقنعه بنيامين نتنياهو بأن النظام الإيراني مقبل على الانهيار، وأن الحرب لن تستمر لوقت طويل، وسوف تنتهي بانتصار حاسم. وبدلاً من إخضاع إيران، كشفت الحرب حدود القوة الأميركية والإسرائيلية.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

يتحدث الرئيس دونالد ترامب عن الحرب مع إيران من قاعة كروس هول في البيت الأبيض، 1 أبريل 2026. (صورة من أسوشييتد برس/أليكس براندون)

بعد شهرين تقريباً من وقف إطلاق النار المؤقت والمضطرب بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد أسابيع من الإشارات المتناقضة شبه اليومية من الرئيس ترامب حول وضع المفاوضات، لا نعرف كيف يمكن، وفي أي وقت، سيتم حل أخطر أزمة خارجية يواجهها الرئيس ترامب.

أي نظرة موضوعية نقدية يلقيها مراقب محايد على الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، تكشف حقيقة سافرة، وهي أن البلدين ارتكبا خطأً فاضحاً، حين اعتقدا أن تفوقهما العسكري الواضح سيؤدي إلى تدمير القاعدة الصناعية والترسانة الصاروخية الإيرانية، وإرغام النظام في طهران على تنفيذ الإملاءات الأميركية والإسرائيلية، خاصة القضاء على البرنامج النووي وفتح مضيق هرمز.

بعد أكثر من ثلاثة أشهر من القتال وتدمير أكثر من 15000 هدف عسكري وصناعي، لم تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل أي من أهدافهما المعلنة أو السرية. النظام السياسي لم يسقط، على الرغم من اغتيال عدد هام من قادته، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، ومخزون إيران من اليورانيوم المخصب لا يزال مخفياً تحت الأنقاض في منشآه نووية إيرانية. وعلى الرغم من إطلاق الدفاعات الإيرانية لألاف الصواريخ والمسيرات ضد القوات الأميركية وإسرائيل، واستهداف البنية النفطية والتحتية والسياحية في دول الخليج العربية، لا تزال إيران تحتفظ بقدرات عسكرية فتاكة.

الخسائر المادية والاقتصادية التي تعرضت لها دول الخليج العربية، سوف تدفع بهذه الدول بعد انتهاء الحرب إلى التشكيك بفعالية وقدرة القوات الأميركية على توفير الردع اللازم لإيران بعد أن أثبتت قدرتها على استهداف البنى التحتية النفطية والسياحية بالصواريخ والمسيرات.

وكشفت الحرب حقيقة بديهية، رفض ترامب الاعتراف بها أو لم يقتنع بها، وهي أهمية الجغرافيا في الحرب. ما إن بدأت الحرب حتى سارعت إيران بإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهكذا حرمت إيران أسواق النفط العالمية من عشرين بالمئة من النفط، إضافة إلى الغاز الطبيعي المسال والأسمدة. وتحولت قدرة إيران على إغلاق المضيق حين تشاء إلى سلاح فعّال لم يكن موجوداً قبل الحرب، وأصبح فتح المضيق مطلب أميركي ملّح وجديد، إضافة إلى الحصول على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب.

ووفقاً لشهادات عدد كبير من الديبلوماسيين والعسكريين المتقاعدين، فإن جميع المناورات العسكرية والدراسات الحربية كانت تؤكد أنه في حال تعرض إيران لهجوم خطير فأنها ستلجأ بسرعة إلى اغلاق مضيق هرمز. ولذلك كان من المستغرب أن يدعي الرئيس ترامب أنه لم يكن يتوقع مثل هذه الخطوة، وكان ادعائه هذا مماثل لادعائه الأخر بأنه لم يكن يتوقع أن تهاجم إيران دول الخليج العربية.

وفي الأسابيع الماضية، كانت مواقف الرئيس ترامب تتراوح بين تهديد إيران باستئناف الحرب، وتدمير بنيتها التحتية، وبين الادعاء بتحقيق التقدم والاقتراب من وقف إطلاق نار دائم، والبدء بالمفاوضات السياسية لحل لقضايا الخلافية الجوهرية، مثل مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وإلغاء العقوبات الاقتصادية وغيرها. وفقدت تهديدات ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث المتكررة قيمتها، في الوقت الذي واصلت فيه إيران التصرف وكأنها دولة لم تخسر حرب شنها ضدها أقوى سلاحي جو في العالم.

في لعبة “عض الأصابع” الراهنة بين واشنطن وطهران، يتصرف القادة الإيرانيون الجدد، ومعظمهم من الذين خدموا في الحرس الثوري، والذي توسع نفوذهم في السنوات الماضية على حساب طبقة رجال الدين، وكأن الزمن يعمل لصالحهم، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع ابقاء قواتها منتشرة في منطقة الخليج إلى اجل مفتوح، بينما تزداد معارضة الرأي العام الاميركي للحرب.

قدرة النظام في طهران على استيعاب الهجمات، التي استهدفت قادته العسكريين والسياسيين، وعدم مواجهته لتحديات شعبية داخلية، وحصوله على تفوق نوعي من خلال سيطرته على مضيق هرمز، وضعه في موقع تفاوضي أقوى من الرئيس ترامب، الذي يلتقي معظم المحللين والخبراء في واشنطن على القول أن الرئيس الأميركي يجد نفسه الآن في مواجهة خيارات أحلاها مرّ. وهذا يبدو واضحاً من عجزه عن تحويل انجازاته العسكرية التكتيكية في المعارك الجوية والبحرية إلى تحقيق مكاسب سياسية أو ديبلوماسية ثابتة.

والمفارقة الآن، هي أن ترامب يتعرض لضغوط متزايدة سياسية واقتصادية من الداخل الأميركي، ومن حلفاء واشنطن في الخليج وأوروبا، أكثر مما تتعرض له إيران، وخاصة في ضوء ازدياد معارضة الشعب الأميركي للحرب، وما صاحبها من انحسار كبير لشعبية ومكانة ترامب، مع اقتراب الانتخابات النصفية في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

اخفاق الولايات المتحدة (وإسرائيل) في تحقيق انتصار استراتيجي يغير من طبيعة توازن القوى في الخليج، يعني أن إيران، التي تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالتفاوض معها، ثم قطع المفاوضات فجأة واللجوء إلى الخيار العسكري، وهذا ما حدث في الصيف الماضي، وفي الحرب الراهنة، سوف تتمسك أكثر من أي وقت مضى في برنامجها النووي، ومحاولة الوصول إلى عتبة صنع السلاح النووي، لأنها لو كانت تملك السلاح النووي، مثل كوريا الشمالية، لما كانت قد تعرضت لمثل هذا الهجوم المشترك. وفي هذا السياق فإن التوصل إلى حل سياسي للبرنامج النووي صعب للغاية إن لم يكن مستحيلاً بعد الحرب، التي زادت من تطرف وغضب النظام في طهران. ولذلك يبدو إصرار الرئيس ترامب على التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، يكون أفضل بكثير من الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس الأسبق باراك أوباما في 2015، والذي انسحب منه ترامب على الرغم من إلتزام إيران به في 2018، والذي وضع قيوداً زمنية على تخصيب اليورانيوم، وغيرها من القيود، مجرد تمنيات.

وعلى مدى نصف قرن تقريباً من عمر النظام الاسلامي في إيران، حدثت مواجهات عديدة بين الولايات المتحدة وإيران كانت تنتهي دون حدوث تحولات جذرية أو تاريخية في العلاقة بين البلدين أو في خلق ظروف أو حقائق جديدة في منطقة الخليج. وهذا يفسر رفض الرؤساء الأميركيين الذين سبقوا ترامب للدخول في حرب مفتوحة ضد إيران. وخلال ولايتي الرئيس أوباما توصل البلدين، بعد مفاوضات صعبة استمرت لحوالي سنتين إلى اتفاق نووي، لم يكن مثالياً، وإن كان عملياً وملزماً. وعلى الرغم من أن المواجهة الراهنة مختلفة عن سابقاتها، وتشارك فيها إسرائيل، وأنجزت فيها دول الخليج العربية التي لم تعلمها واشنطن بقرار الحرب، إلا أنه من المستبعد جداً أن تنتهي هذه الجولة بنتائج استراتيجية أو تاريخية أو انقلابية.

تميزت ولاية الرئيس ترامب الثانية بتفرده في صنع القرار، والاصرار على إحاطة نفسه برجال ونساء يدينون له بولاء مطلق، وتجاهل تام لأجهزة الإدارة والبيروقراطية، وأبرزها تجاهله وعزله للسلك الديبلوماسي، بما في ذلك التخلص من حوالي ثلاثة آلاف ديبلوماسي (تم طرد نصفهم، وتسريح النصف الأخر بعد صرفهم تعويضات مخفضة)، الأمر الذي أدى إلى تفريغ السفارات من الديبلوماسيين المحترفين، حيث لا يوجد في نصف السفارات الأميركية في العالم سفير معتمد بل قائم بالأعمال. وفي المقابل اعتمد ترامب على أقرباء أو أصدقاء، مثل صهره جاريد كوشنر أو صديقه ستيف ويتكوف، الذي طلب منهما التوسط لحل حروب غزة وأوكرانيا وإيران على الرغم من افتقارهما إلى الخبرة السياسية، ودون تعيينهما في مناصب سياسية تقليدية، خاضعة لرقابة الكونغرس.

وتعرض مجلس الأمن القومي، الذي ينسق تقليدياً السياسية الخارجية والدفاعية في البيت الأبيض، إلى عملية “تطهير” أدت إلى طرد عشرات الموظفين، بمن فيهم الخبراء بالشؤون الإيرانية. وفي الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة حرباً مفتوحة على مختلف الاحتمالات، لا يوجد لواشنطن سفراء في أربعة من بين ستة دول خليجية. اتخذ ترامب قرار الحرب بعد أن أقنعه بنيامين نتنياهو بأن النظام الإيراني مقبل على الانهيار، وأن الحرب لن تستمر لوقت طويل، وسوف تنتهي بانتصار حاسم. ولم يكن من المستغرب أن يذهب ترامب إلى الحرب دون استشارة الكونغرس، ودون إعلام أي من حلفائه العرب في الخليج، أو أي من حلفائه الأوروبيين في حلف الناتو. المأزق الذي وضع فيه ترامب الولايات المتحدة، سوف يكون مكلفاً للغاية، معنوياً وسياسياً واقتصادياً، واستمرار الحرب يعني الانهيار التدريجي لسمعة ومكانة الولايات المتحدة في العالم، الأمر الذي سيساهم في صعود الصين كدولة قوية يعتمد عليها، وتعميق عزلة الولايات المتحدة في الوقت الذي يواجه فيه الرئيس دونالد ترامب أكبر وأخطر أزمة خارجية من صنعه، عرف وقت بدئها، ولا يعرف كيف ينهيها.

الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.

هشام ملحم

باحث غير مقيم

التحليلات

الصين الصاعدة أو المهيمنة

الحقيقة التي كشفتها قمة الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ هي أن الولايات المتحدة قد فقدت نفوذها على الصين.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

الرئيس ترامب في ظل إيران

إن الرئيس ترامب، حتى ولو استمر العمل باتفاق وقف إطلاق النار، سوف يمضي ما تبقى من ولايته الثانية في ظل إيران.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

حارس أمن يمرّ أمام لوحة إعلانية عن المحادثات الأميركية-الإيرانية خارج مركز إعلامي، تم اعداده لتغطية الاجتماع الرسمي بين الولايات المتحدة وإيران، في إسلام آباد، باكستان، 12 أبريل 2026. (صورة من أسوشييتد برس/أنجم نافيد)

كيف خسرت إسرائيل الولايات المتحدة

بغض النظر عن وقت وظروف انتهاء الحرب، سوف يوجّه الكثير من الأميركيين اللوم لإسرائيل، وتحميلها جزءاً كبيراً من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذه الحرب.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

الحرب على إيران بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية

حرب أخرى، تخوضها الولايات المتحدة، تُظهر أن التفوق العسكري لا يكفي لصنع نصر سياسي، وأن كلفة المواجهة قد تتجاوز أهدافها المعلنة.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

عرض الكل