"*" indicates required fields

This field is for validation purposes and should be left unchanged.

اشترك

عند الاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية المعتمدة لدينا.

Subscription Settings
التحليلات

من الغضب الملحمي إلى مذكرة تفاهم واهية

انتهت حرب ترامب على إيران بمذكرة تفاهم هشّة، منحت طهران مكاسب استراتيجية، وأعادت فتح مضيق هرمز بشروطها.

هشام ملحم

7 دقائق قراءة

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجيب عن أسئلة الصحفيين، وإلى جانبه، من اليسار، الممثل التجاري الأميركي جاميسون جرير، ووزير التجارة الأميركي هاورد لوتنيك، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع في إيفيان ليه بان، فرنسا، 17 يونيو 2026. (صورة من أسوشييتد برس/فاديم جيردا)

إذا كانت الحرب مواجهة بين إرادات الأطراف المتقاتلة، وقدرتها على تحمل الألم، فإن الرجال المتصلبين في طهران – وبعضهم زادت من قساوتهم معمودية الحرب الإيرانية-العراقية – قد حققوا انتصاراً واضحاً ضد رجل نرجسي، يعتقد أنه مركز الكون في واشنطن، لم يختبر أي امتحان صعب خلال ثمانية عقود عاشها في ترف مبتذل. بعد حوالي أربعة أشهر من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أصبحت منطقة الشرق الأوسط أقل أمناً وازدهاراً واستقراراً، وأكثر فقراً وغضباً، ومستقبلها محفوف بالمخاطر وانعدام اليقين.

عملية “الغضب الملحمي”، كما وصفت واشنطن هجومها ضد إيران، لم تحقق أياً من أهدافها التي أعلنها ترامب، الذي تعهد “بمحو” القدرات العسكرية الإيرانية، والقضاء على برنامجها النووي، وتغيير النظام الإسلامي، واعداً الشعب الإيراني، الذي انتفض مرة أخرى ضد قمع وفساد الطبقة الحاكمة في يناير/كانون الثاني الماضي، بأن “المساعدة على الطريق”، وحض الإيرانيين على الاستيلاء على السلطة بعد توقف القتال. وادعى ترامب مراراً أن القوات الأميركية حققت النصر في الأيام الأولى بعد بدء الغارات الجوية، وأن انتهاء الحرب يأتي بعد “الاستسلام غير المشروط” لإيران، تماماً مثل انتهاء الحرب ضد اليابان في 1945.

ادعاءات ومبالغات الرئيس ترامب لا تغير حقيقة أن الولايات المتحدة خرجت من الحرب أضعف مما كانت عليه قبل الحرب، لأنها استنزفت ترسانتها العسكرية، وأظهرت محدودية قوتها العسكرية انحسار نفوذها الاستراتيجي، ومن المتوقع أن تزيد خسائرها المالية عن مئة مليار دولار، وزادت من عمق الاستقطابات السياسية في البلاد، وعرضت الرئيس الأميركي لانتقادات، وحتى سخرية بعض الحلفاء.

الحرب قوضت من سمعة الولايات المتحدة في العالم، وخلقت الشكوك العميقة بين حلفائها في المنطقة حول صدقية واشنطن، وثبات التزاماتها بالوقوف ورائهم، وساهمت في تعزيز نفوذ إيران الإقليمي، وأهميتها في صيانة استقرار أسواق النفط والغاز في العالم، واعطاء الشرعية لقيادة متصلبة أكثر. وللتدليل على أن الحروب تؤدي إلى مفاجآت لم يتوقعها المخططون العسكريون، وإلى خلق حقائق جديدة على الأرض، ساهم قرار الرئيس ترامب بالذهاب إلى الحرب في تحويل قدرة إيران النظرية على اغلاق مضيق هرمز، إلى سلاح فعّال، اعتبره محللون استراتيجيون أكثر أهمية من الأسلحة النووية، لأن إيران، إذا تعرضت لتهديد حقيقي، قادرة على اغلاق المضيق من جديد.

عندما أعلن الرئيس ترامب يوم الأحد الماضي عن التوصل إلى صياغة “مذكرة التفاهم”، مشدداً على أنها تؤدي إلى فتح مضيق هرمز، متناسياً انه يحتفل بحل أزمة من صنعه، بصفته المسؤول الرئيسي عن اغلاق المضيق، الذي كان مفتوحاً للملاحة الدولية قبل بداية الحرب في الثامن والعشرين من فبراير/شباط. تبين القراءة الأولى لمذكرة التفاهم، أن إيران وافقت على إعادة فتح مضيق هرمز، مقابل عودتها إلى ضخ النفط، ورفع جميع العقوبات الثنائية والدولية والإفراج عن الودائع المجمدة، وعلى قيام الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج – التي تعرضت منشآتهم المدنية والنفطية والسياحية إلى هجمات إيران بالصواريخ والمسيرات – إلى إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لتمويل إعادة بناء إيران.

سوف يفتح مضيق هرمز للملاحة الدولية دون فرض رسوم على السفن التي تعبر لمدة ستين يوماً، التي ستخصص للمفاوضات حول القضايا الخلافية الأساسية، مثل مستقبل البرنامج النووي، ومخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة عالية، ولكن طهران لم تلتزم بالعودة إلى الوضع القائم قبل الحرب حين كان المضيق يعتبر معبراً دولياً ليس خاضعا لسيادة أي دولة قادرة على فرض رسوم للعبور، لأن وضعه القانوني يختلف جذرياً عن وضع قناة السويس أو قناة بنما على سبيل المثال.

وكما انحسرت مكانة الولايات المتحدة في العالم، انحسرت مكانة وشعبية الرئيس ترامب في البلاد بما في ذلك في أوساط قاعدته المتشددة والانعزالية، وبين المؤثرين من أصحاب البرامج الإذاعية، وغيرهم من الجمهوريين المتشددين التقليديين. ترامب يواجه أيضا تعرضه إلى هزيمة انتخابية في الانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. وإذا عاد الديموقراطيون إلى السيطرة على مجلسي الكونغرس أو مجلس النواب فقط، فإن ترامب سوف يخسر في آخر سنتين له في السلطة القدرة على ترهيب خصومه أو ضمان ولاء مشرعين جمهوريين في المجلسين.

ما هو مؤكد الآن أن النظام في طهران، على الرغم من الخسائر الضخمة التي تكبدتها إيران، لا يزال واقفاً، بل قد ازداد قوة، كما يتبين من استمراره في استخدام القبضة الحديدية ضد خصومه في الداخل. كما أن قدرة إيران على استغلال تفوقها الجغرافي، الذي يسمح لها بالسيطرة الدائمة على مضيق هرمز، والتهديد بإغلاقه في المستقبل، سوف تبقى أمراً واقعاً. ووفقاً لأجهزة الاستخبارات الأميركية، لا تزال إيران تحتفظ بما فيه الكفاية من الصواريخ والمسيرات لكي تواصل الحرب، وعائدات بيع النفط والغاز بعد إلغاء العقوبات، والإفراج عن الودائع المجمدة، سوف تسمح لها بمواصلة مساعدة وكلائها وعملائها في لبنان واليمن والعراق.

تعرضت إيران لخسائر بشرية ومادية ضخمة، وسوف يستغرق إعادة بنائها سنوات طويلة، ولكن الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضدها قد أثبتت فشلها في اسقاط النظام الاسلامي، وأعطت إيران لأول مرة منذ سنوات عديدة الفرصة لتحقيق أهدافها الإستراتيجية الأخرى، مثل إلغاء العقوبات والإفراج عن الودائع المجمدة، بالإضافة إلى نجاحها في المطالبة بصندوق دعم اقليمي تساهم واشنطن في تنظيمه. في المقابل، حققت واشنطن تعهد إيران بفتح مضيق هرمز، والذي كان مفتوحاً قبل الحرب.

إيران، كررت في مذكرة التفاهم الراهنة، كما أكدت في مقدمة “خطة العمل الشاملة المشتركة” – وهي الاسم الرسمي للاتفاق الذي توصل إليه الرئيس الأسبق باراك أوباما مع إيران في 2015. آنذاك “أكدت إيران بشكل قاطع بأنها في أي ظرف لن تسعى أو تطور أو تحصل على أي أسلحة نووية”. المفارقة أن الرئيس ترامب يكرر هذا الالتزام الإيراني وكأنه تنازل جديد حققته الحرب، ولا يزال مصير مخزون إيران العالي التخصيب مجهولاً، كما تواصل طهران تأكيد حقها المبدئي في تخصيب اليورانيوم.

تعرضت إيران إلى نكسة عسكرية في مواجهتها لأقوى سلاحي جو في العالم، ولكنها لم تفقد إرادة القتال فحسب، بل صمدت في وجه تسونامي عسكري لا تستطيع دول كثيرة أن تتحمله، لدرجة أنها زجت جميع دول الخليج العربية في حرب مكلفة ومؤلمة لم تكن تعلم بها. وهكذا نجحت إيران في تأكيد نفوذها السياسي من مياه الخليج حتى مياه البحر المتوسط.

عندما أدرك ترامب أن تأكيدات بنيامين نتنياهو بأن الحرب سوف تنتهي خلال أسابيع قليلة، وأن هناك احتمال كبير بسقوط النظام الإسلامي، هي تمنيات أكثر منها حقائق، وعندما ازدادت المعارضة الداخلية للحرب، مع تفاقم أسعار الطاقة بسرعة، مع مضاعفات إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي، بدأ بالبحث عن مخرج سريع، وكان احباطه يزداد مع مرور كل يوم، وأصبح يتأرجح بين تهديد إيران بعقاب مؤلم، وتراجعه المحرج عن التهديدات.

وبدأ ترامب بتوجيه الانتقادات العلنية لنتنياهو، وتبادل الإهانات في المكالمات الهاتفية بينهما، بسبب رغبة نتنياهو باستئناف قصف إيران، واستمراره في هجماته الدموية ضد لبنان بما فيه قصف بيروت، وهي ممارسات اعتبرها ترامب خطراً على المفاوضات مع إيران. وكان من الواضح أن هناك تباين واضح بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن ترامب يسعى لتسوية مع إيران، بينما يسعى نتنياهو إلى التخلص كلياً من البرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم، وربما مواصلة قصف إيران إلى حين اسقاط النظام.

وواصل ترامب انتقاداته العلنية لنتنياهو حتى بعد الإعلان عن مضمون مذكرة التفاهم بسبب تماديه في قصف لبنان. وخلال الأسابيع الماضية وصف ترامب نتنياهو “بالمجنون” الذي يفتقر إلى الحكمة في تصرفاته. وكشفت مصادر مطلعة أن ترامب تدخل لوقف غارة إسرائيلية ضد إيران، كما طالب نتنياهو مراراً بتقليص هجماته ضد حزب الله، والامتناع عن قصف بنايات يقطنها المدنيون في بيروت. كما أبقي ترامب نتنياهو بعيداً عن مضمون المفاوضات مع إيران، ولم يعرض نص مذكرة التفاهم عليه إلا بعد الإعلان عنها، ووافق على شرط إيران أن يشمل وقف إطلاق النار كل الجبهات بما فيها الجبهة اللبنانية، وهو أمر تصر إسرائيل على رفضه.

عملياً وضع ترامب، نتنياهو بين خيارين كل منهما يمكن أن يؤدي إلى إنهاء حياته السياسية؛ إما أن يتحدى املاءات ترامب ويواصل تصلبه ضد إيران ولبنان، وتحمل ضغوط وإهانات ترامب، أو الرضوخ لمشيئة الرئيس الأميركي، والتعرض لهجمات خصومه الداخليين، وهو يقترب من انتخابات مصيرية.

نجحت إيران خلال الأشهر الماضية في خلق قناعة لدى أعدائها مشابهة للقناعة التي خلقتها إسرائيل لدى الأنظمة العربية منذ سنوات: أي ضربة تتعرض لها إيران من أي مصدر، سوف ترد عليها بالمثل، ووضعت لبنان في نفس الخانة، عندما أطلقت الصواريخ ضد اسرائيل عندما قصفت بيروت. كذلك نجحت طهران على حساب لبنان وسيادته عندما حولته إلى ما يشبه المحمية الإيرانية عندما أصرت على شمول لبنان في وقف إطلاق النار وفقاً لمذكرة التفاهم. موقف إيران هذا عزز من نفوذ حزب الله في لبنان، وحصنه أكثر ضد محاولات الحكومة اللبنانية استعادة سيادتها، وأضعف مكانة لبنان في أي مفاوضات مع إسرائيل.

خلال السيطرة السورية الطويلة على لبنان وانفراد دمشق بصنع قرارات بيروت المتعلقة تحديداً بالمفاوضات مع إسرائيل، فرضت سوريا أوهاماً من نوع أن مزارع شبعا أرض لبنانية احتلتها اسرائيل في حرب 1967، أو في فرض مفهوم “تلازم المسارين” في أي مفاوضات مع إسرائيل، لكي تحرم لبنان من أي قرار سيادي يتعلق بمستقبله أو بالسلام. الآن، يواجه لبنان سيطرة إيرانية مماثلة لسيطرة سوريا، مستخدمة وكيلها حزب الله، فيما يمكن اعتباره ” تلازم الجبهتين”، حيث يصر الحرس الثوري الإيراني، الذي يهيمن ضباطه على قرارات حزب الله، على مواصلة حربهم ضد إسرائيل حتى مقتل آخر لبناني.

الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.

هشام ملحم

باحث غير مقيم

التحليلات

ترامب في مواجهة أخطر أزمة خارجية

اتخذ ترامب قرار الحرب بعد أن أقنعه بنيامين نتنياهو بأن النظام الإيراني مقبل على الانهيار، وأن الحرب لن تستمر لوقت طويل، وسوف تنتهي بانتصار حاسم. وبدلاً من إخضاع إيران، كشفت الحرب حدود القوة الأميركية والإسرائيلية.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

الصين الصاعدة أو المهيمنة

الحقيقة التي كشفتها قمة الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ هي أن الولايات المتحدة قد فقدت نفوذها على الصين.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

الرئيس ترامب في ظل إيران

إن الرئيس ترامب، حتى ولو استمر العمل باتفاق وقف إطلاق النار، سوف يمضي ما تبقى من ولايته الثانية في ظل إيران.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

حارس أمن يمرّ أمام لوحة إعلانية عن المحادثات الأميركية-الإيرانية خارج مركز إعلامي، تم اعداده لتغطية الاجتماع الرسمي بين الولايات المتحدة وإيران، في إسلام آباد، باكستان، 12 أبريل 2026. (صورة من أسوشييتد برس/أنجم نافيد)

كيف خسرت إسرائيل الولايات المتحدة

بغض النظر عن وقت وظروف انتهاء الحرب، سوف يوجّه الكثير من الأميركيين اللوم لإسرائيل، وتحميلها جزءاً كبيراً من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذه الحرب.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

عرض الكل