"*" indicates required fields

This field is for validation purposes and should be left unchanged.

اشترك

عند الاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية المعتمدة لدينا.

Subscription Settings
التحليلات

خيط طويل من الدم من غزة إلى طهران

وحتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ستواصل إيران تحديها للولايات المتحدة، وتهديد أمن حلفائها في الخليج، وهذا يعني أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مفتوحة على كل الاحتمالات.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

تصطف ناقلات النفط والسفن في مضيق هرمز، كما تبدو من خورفكان في الإمارات العربية المتحدة، الأربعاء 11 مارس 2026. (صورة من أسوشييتد برس/ألطاف قادري)

هناك خيط طويل من الدم يربط بين الهجوم الذي شنته حركة حماس ضد المدنيين والعسكريين في إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبين جميع الحروب والمجازر الذي عقبته، من قتل إسرائيل لعشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين وتحويل غزة، وجنوب لبنان إلى ركام، والحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران. هذه الحروب التي وصلت نيرانها إلى جميع دول الخليج والساحل الشرقي للبحر المتوسط، لم تتوقف كلياً حتى اليوم، حيث يرى بعض المحللين العسكريين أنها قد تستمر بشكل أو بآخر، حتى نهاية ولاية الرئيس ترامب بعد أكثر من سنتين.

ظاهرياً، لم تغير السنوات الثلاثة الماضية طبيعة التحالفات القديمة في المنطقة بين الولايات المتحدة والدول العربية المعتدلة وإسرائيل معاً، وإيران والقوى والتنظيمات التي تدور في فلكها، مثل حزب الله في لبنان، وبعض تنظيمات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن. ولكن صمود إيران في وجه الغارات الأميركية-الإسرائيلية على الرغم من الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها، وعدم قدرة الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة من حسم الحرب لصالحها، سمح لإيران باستيعاب هذه الضربات، والاسراع ببناء ترسانتها الحربية، ورفع مستوى التعاون مع الحوثيين، والتعايش مع مضاعفات النكسات التي لحقت بها، مثل القضاء على حركة حماس كقوة قتالية، وإلحاق خسائر كبيرة بحزب الله، وحتى سقوط نظام الأسد، حليفها في سوريا.

تطورت العلاقات العسكرية والسياسية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وإلى حد ما البحرين، وتوثقت خلال الحرب، ولكن دول الخليج العربية الأخرى لا تزال متحفظة في رفع مستوى تعاونها مع إسرائيل، وقد يسعى بعضها إلى التوصل إلى تفاهمات ضمنية أو علنية مع إيران بعد انتهاء الحرب، وخاصة إذا خفضت واشنطن من وجودها العسكري في دول الخليج، بعد أن أظهرت الحرب انكشاف وتعرض المنشآت العسكرية الأميركية إلى أضرار كبيرة نتيجة الهجمات الصاروخية وبواسطة المسيرات، خاصة في القاعدة البحرية في البحرين. سوف تواصل دول الخليج العربية تعاونها العسكري التقليدي مع الولايات المتحدة، ولكن هذه الدول اكتشفت عملياً محدودية القدرة الأميركية العسكرية في توفير الحماية لمنشآتها العسكرية، إضافة إلى البنية التحتية النفطية.

وجاء رفض الرئيس ترامب الاستجابة لطلب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مساعدة السعودية عسكرياً ضد الحوثيين في اليمن ليؤكد محدودية القوة الأميركية، وأعباء الحرب ضد إيران، ومواصلة حصار الموانئ الإيرانية، ورغبة واشنطن بتفادي فتح جبهة أخرى ضد الحوثيين، وضمان عبور سفنها التجارية والحربية عبر باب المندب والبحر الأحمر، وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين الطرفين في 2025. ولذلك ابقت واشنطن مساعداتها للسعودية في إطار توفير المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي.

غياب مظلة الحماية الاميركية، دفعت السعودية والحكومة الرسمية في اليمن إلى مواجهة الحوثيين مباشرة، وطلب المساعدة العسكرية من دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة وباكستان. ويتوقع المحللون العسكريون أن تخفض الولايات المتحدة من انتشارها العسكري في دول الخليج، مع ما يعنيه ذلك من تعديل أو تغيير التحالفات العسكرية، والبحث عن بدائل لمظلة الحماية الأميركية.

الهجوم التي شنته حركة حماس، والذي أيدته فوراً جميع قوى ما يسمى “بمحور المقاومة”،  التي ارتكبت جماعياً خطأً فادحاً في تقدير الحسابات والتوقعات، كان له أكثر من هدف، من أبرزها منع قيام ائتلاف يشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الخليج، من بينها السعودية، في سياق توسيع اتفاقيات إبراهام، التي رأت حماس أنه سيزيد من تهميش القضية الفلسطينية إقليمياً وعالمياً. ردت إسرائيل بهجوم شامل أدى إلى تدمير معظم قطاع غزة، وتحويلها إلى أرض يباب، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين، وقتل مهندس هجوم السابع من أكتوبر، يحيى السنوار وغيره من القادة العسكريين. وعندما تدخل حزب الله عسكرياً “لإسناد” حركة حماس، عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات، بدأت حرب استنزاف على الجبهة اللبنانية شملت قصف بيروت، وأدت لاحقاً إلى القضاء على الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وعلى الصف الأول من قيادة حزب الله العسكرية.

سياسة الأرض المحروقة، التي استخدمتها إسرائيل في غزة ولبنان، أدت إلى استياء وإدانات عالمية ودعوات أوروبية لمقاطعة إسرائيل اقتصادياً وعزلها ديبلوماسياً. ورأى المدافعون عن هجوم حركة حماس، في العزلة الإسرائيلية، وعودة القضية الفلسطينية إلى الصدارة، تبريراً عبثياً لقرار حماس، الذي تبين بعد الأيام الأولى من غزو إسرائيل للقطاع، أن حماس وحزب الله قد ارتكبا خطأ استراتيجياً مكلفاً للغاية. وفي أواخر 2024 مني “محور المقاومة” بهزيمة سياسية بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، لأسباب عديدة بينها انشغال حزب الله بالحرب مع إسرائيل، والغزو الروسي لأوكرانيا. وسارع النظام السني الجديد في دمشق بالتخلص من النفوذ الإيراني، وتحسين علاقاته مع الدول العربية، وعلى رأسها السعودية التي سهلت له فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة أدت إلى إلغاء العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا منذ عقود من الزمن.

وفي شهر يونيو/حزيران 2025، شارك الرئيس ترامب في الحرب القصيرة بين إسرائيل وإيران، من خلال شن غارة جوية ضد إيران أدت إلى إلحاق أضرار جسيمة بالمنشآت النووية التي تقوم بتخصيب اليورانيوم، وردت إيران بقصف صاروخي ضد إسرائيل، ولكنها امتنعت عن قصف القواعد الأميركية في دول الخليج، كما لم تلجأ إلى تعليق الملاحة عبر مضيق هرمز. في مطلع 2026 قامت القوات الأميركية بغارة جوية ضد كاراكاس عاصمة فنزويلا، ونجحت بخطف الرئيس نيكولاس مادورو دون تكبد أي خسائر. هذا النجاح العسكري السريع والسهل عزز من قناعة ترامب أن القوات الأميركية قادرة على تحقيق المستحيل. وبعد نشوب حركة احتجاجية كبيرة في جميع أنحاء إيران في أواخر 2025 وبداية 2026، قمعها النظام بعنف غير مسبوق، وعندما صعّد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو من جهوده لإقناع ترامب أن النظام في طهران هش سياسياً وأصبح يانعاً للانهيار. ثقة ترامب العمياء بقدرة القوات الأميركية على تحقيق أهدافها، وعدم معرفته بتاريخ إيران، ومبالغات نتنياهو بضعف النظام في طهران جعلتهما يعتقدان أن حرباً قصيرة الأجل، بين أربعة إلى ستة أسابيع ستطيح بالنظام الذي يتحدى الولايات المتحدة منذ حوالي نصف قرن.

الأيام والأسابيع الأولى من الغارات الأميركية-الإسرائيلية المكثفة أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وغيره من كبار القادة السياسيين والعسكريين، وألحقت خسائر عسكرية جسيمة، ولكن النظام سارع لتعيين مجتبى خامنئي نجل المرشد الراحل، مرشداً جديداً، وتخطى الخلافات السياسية بين الأجنحة المختلفة في النظام، واتخذ قراراً لم يتوقعه المخططون الأميركيون، أي اغلاق مضيق هرمز، وفرض عقبة كبيرة ساهمت في وصول الولايات المتحد بعد مرور أكثر من سبعة أشهر من الحرب إلى طريق مسدود، أصبح خلالها فتح المضيق الهدف الملّح، الذي لم يكون موجوداً قبل الحرب، وليس البرنامج النووي الإيراني. أيضا قدرة إيران على إصابة القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج بدقة، وقصف البنية النفطية التحتية، وغيرها من المرافق الاقتصادية لهذه الدول، أظهر سهولة ضرب مظلة الحماية الأميركية. وجندت إيران في حملتها غير المباشرة ضد السعودية، الحوثيين في اليمن، الذين تفادوا مصير حركة حماس وحزب الله، وأحكموا سيطرتهم على باب المندب، وتهديد العمق السعودي، وفي الوقت ذاته التمسك بوقف اطلاق النار مع الولايات المتحدة.

تكبدت إيران خسائر بشرية ومادية فادحة، ولكنها لم ترضخ إلى الشروط الأميركية لوقف القتال، على الرغم من أن استمرار الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية قد حرم إيران من مصدر الدخل الوحيد المتوفر لها. ولكنها لا تزال قادرة على الرد العسكري على أي هجوم أميركي. وفي المقابل ما هي خيارات الرئيس ترامب العسكرية، وخاصة إذا خسر الحزب الجمهوري سيطرته على مجلسي الكونغرس في نوفمبر/تشرين الأول المقبل. كما أن استئناف الغارات الجوية المكثفة ليس خياراً جذاباً، لأنه سيفرض على العسكريين استخدام الأنظمة العسكرية المتطورة والمكلفة الباقية في الترسانة الأميركية، بعد استنزاف الكثير منها في الحرب. وإلى أي مدى سيواصل الرئيس ترامب حصاره البحري المكلف ماليا وعسكريا؟

ويرى بعض المحللين أن تضييق الحصار البحري سيرغم القادة البراغماتيين في طهران على الضغط على القوى الأخرى، مثل الحرس الثوري، للعودة إلى طاولة المفاوضات. وحتى الآن، لا توجد أي مؤشرات توحي باقتراب طهران من قبول المطالب الرئيسية الأميركية، وخاصة تلك المتعلقة بالبرنامج النووي.

ولكن المشهد الاستراتيجي الراهن في المنطقة أظهر استحالة ارغام نظام متشدد في أكبر دولة في الخليج وتملك قاعدة اقتصادية وطبقة متوسطة، وخبرة في تطوير الطاقة النووية، وتربطها علاقات قوية بالصين وروسيا، على الرضوخ لإرادة دولة تواجهها اقتصادياً وعسكرياً منذ حوالي نصف قرن مثل الولايات المتحدة.

وحتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ستواصل إيران تحديها للولايات المتحدة، وتهديد أمن حلفائها في الخليج، وهذا يعني أن المواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج، وإيران مفتوحة على كل الاحتمالات، طالما بقي النظام الإسلامي في طهران.

الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.

هشام ملحم

باحث غير مقيم

التحليلات

نرجسية ترامب وحروبه الداخلية والخارجية

تتسع أزمات ترامب من واشنطن إلى طهران وبكين، فيما تتراجع شعبيته وتتزايد المخاوف من كلفة سياساته.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

ذكرى مرور ربع قرن بعد هجمات 11 سبتمبر

كشفت حربا أفغانستان والعراق حدود القوة الأميركية، وبعد 25 عاماً تبدو واشنطن مهددة بتكرار الأخطاء نفسها في حربها مع إيران.

هشام ملحم

7 دقائق قراءة

هل يحقق الدولار ما عجز عنه السلاح

بعد تعثر الضغوط العسكرية في دفع طهران إلى التفاوض، تراهن واشنطن على سلاح العقوبات والدولار لخنق الاقتصاد الإيراني، لكن نجاح حملة العقوبات متوقف على انضمام الصين وروسيا والهند إلى هذه الحملة.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

انتخابات الفرصة الأخيرة

يشهد الحزب الديموقراطي مخاض سياسي وأيديولوجي أدى إلى بروز فئة تقدمية-يسارية.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

عرض الكل