"*" indicates required fields

This field is for validation purposes and should be left unchanged.

اشترك

عند الاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية المعتمدة لدينا.

Subscription Settings
التحليلات

في عيدها الـ250، الولايات المتحدة تواجه مأزق تاريخي

تاريخياً، كانت الولايات المتحدة تخرج من كل تجربة صعبة، أكثر اتحاداً وأكثر ثقة بنفسها وبمستقبلها.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

أحد المواطنين الأمريكيين يوقّع اسمه على نسخة من إعلان الاستقلال خلال فعالية احتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، 4 يوليو 2026، مدينة لويفيل، ولاية كنتاكي. (صورة من أسوشييتد برس/جون تشيري)

تحتفل الولايات المتحدة في الرابع من يوليو/تموز بالذكرى الـ250 لتأسيس الجمهورية الأمريكية، وإعلان استقلالها عن بريطانيا. وتشهد البلاد احتفالات ضخمة ونشاطات تاريخية لا سابقة لها، تشمل عروضاً عسكرية، ومهرجانات ثقافية وفنية، مثل تنظيم مهرجان وطني كبير في قلب العاصمة واشنطن، يعرض ثقافة وتقاليد جميع الولايات. وسوف يشهد ميناء نيويورك احتفالاً ضخماً تشارك فيه سفن حربية وأكثر من ثلاثين سفينة شراعية من مئة وثلاثين دولة، إضافة إلى عروض الألعاب النارية التي ستضيئ المدن والمعالم الشهيرة في البلاد. ولكن أكثرية الأميركيين في مزاج متعكر في السنوات الأخيرة، بسبب الاستقطابات السياسية والأيديولوجية، التي تؤدي أحياناً إلى العنف، وانحسار الثقة بين مكونات المجتمع الأميركي، والتشكيك المتزايد بصدقية المؤسسات العامة، ومن بينها الحكومة الفيدرالية، والحزبين الديموقراطي والجمهوري ووسائل الإعلام التقليدية والمحكمة العليا، وحتى الجامعات. كل هذه العوامل تفسر اعتقاد أكثرية الأميركيين أن أفضل أيامهم هي في الماضي وليس في المستقبل، والتساؤل حول صمود المؤسسات والقيم الديموقراطية في وجه هذه التحديات.

وتشاء الصدف أن يكون دونالد ترامب رئيساً للبلاد في هذه اللحظة التاريخية، حيث يمثل في تفكيره الأناني وسلوكه النرجسي وذوقه المتدني، وسياساته المناوئة للأقليات الاثنية والدينية، وسعيه لإثراء نفسه وعائلته وحاشيته، النقيض الكامل لما كان مؤسسو البلاد يمثلونه من قيم ومبادئ مثالية جاءت مع عصر التنوير، مثل الحرية والمساواة بين البشر والحكم الذاتي، بعكس الدول الأوروبية الأقدم التي بنيت على أساس الأصل والتراث المشترك. هذا التاريخ الخاص للولايات المتحدة يُلَخص عادة بالإشارة إلى أنها “فكرة” أو “مفهوم”. هذه المبادئ والقيم هي في صلب إعلان الاستقلال الأمريكي.

تعتبر وثيقة إعلان الاستقلال – التي صاغها بشكل أساسي توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، والتي تؤكد على مركزية الحقوق الطبيعية للإنسان وفلسفة الحكم للجمهورية الجديدة، ودستور الولايات المتحدة الذي يمثل السلطة القانونية الأعلى في البلاد، ويحدد معالم الحكومة المركزية – من أهم الأسس الفلسفية والقانونية المتميزة التي بنيت عليها البلاد.

وعلى مدى الأجيال، اعتبر فلاسفة ومؤرخون، كان أخرهم الكاتب والمؤرخ والتر ايزكسون، أن المقدمة الفلسفية لإعلان الاستقلال – والتي تؤكد نحن “نؤمن بأن هذه الحقائق بديهية، وهي أن جميع البشر خلقوا متساوين، وأن خالقهم وهبهم حقوقاً ثابتة، من بينها الحياة والحرية والسعي وراء السعادة” – هي أهم جملة في تاريخ البشرية.

ويبدأ الدستور الأميركي، بإعلان مثالي مماثل لإعلان الاستقلال، “نحن شعب الولايات المتحدة، رغبةً منا في إقامة اتحاد أكثر كمالاً، وإرساء دعائم العدالة، وضمان الطمأنينة الداخلية، وتوفير الدفاع المشترك، وتعزيز الرخاء العام، وتأمين نعم الحرية لنا ولأجيالنا القادمة، نرسم ونضع هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية”. من هذا المنظور، الولايات المتحدة ليست دولة مثالية، ولكنها تمثل مشروعاً مستمراً لتحقيق “اتحاد أكثر كمالا”، بمعنى آخر أراد آباء الجمهورية أن يشعر مواطنو هذه الدولة أن لديهم توق قد لا يتحقق (وربما لن يتحقق) في السعي لتحقيق الحقائق البديهية الواردة في وثيقة إعلان الاستقلال.

هذه المثالية الراقية، والتأكيد على المساواة والحقوق الثابتة لجميع البشر، والسعي لإقامة اتحاد أكثر كمالاً تمثل مواقف ثورية سابقة لزمنها، ولكنها تحتوي أيضا تناقضات ظاهرية، أخطرها أخلاقية وسياسية، فقد تفادي المؤتمر الدستوري، الذي انعقد في فيلادلفيا بين شهري مايو/آيار وسبتمبر/أيلول 1787 مناقشتها، ناهيك عن حل مؤسسة العبودية، واحترام حقوق السكان الأصليين، الأمر الذي عرّض آباء الجمهورية، الذين كانوا يتغنون بأنهم بنوا وطناً حراً، إلى تهم الخبث والازدواجية، خاصة وأن كاتب الإعلان، توماس جيفرسون كان يملك مئات المستعبدين. الولايات الشمالية، باسم الحفاظ على وحدة البلاد، تعايشت مع العبودية في الولايات الجنوبية، التي هددت بالانفصال إذا تم إلغاء العبودية، نظراً لأهمية هذه المؤسسة البشعة في صيانة اقتصاد زراعي، وخاصة زراعة القطن. هذا السرطان في الجسم السياسي الأميركي، والذي كان يعرف باسم “الخطيئة الأصلية” ازداد خطراً مع مرور الزمن، إلى أن انفجر بعد أكثر من سبعين سنة في حرب أهلية ضخمة، أودت بأرواح 750 ألف أميركي، وكادت أن تدمر البلاد.

وعلى الرغم من المكاسب السياسية والاقتصادية للمتحررين من المستعبدين، إلا أن أثار آفة العبودية لا تزال حاضرة في المجتمع الأميركي، حيث ازدادت الاستقطابات العرقية والسياسية والاقتصادية والثقافية حدة، وأحياناً أكثر عنفاً، خاصة خلال ظاهرة دونالد ترامب، التي تهيمن على البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن. وهناك احباط كبير تشعر به شريحة واسعة من الشعب الأميركي، لأن الرئيس، بدلاً من أن يستخدم هذه الذكرى لتوحيد البلاد، والاحتفال بحيويتها وابداعاتها الاقتصادية والفنية، وإخراج الأميركيين من مزاجهم القاتم، فإنه يتصرف وكأنه مركز وهدف الاحتفالات، ويتوقع من الأميركيين الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين.

تحرير المستعبدين في الولايات الجنوبية خلال الحرب الأهلية في 1863، لم يؤد إلى مساواتهم مع بقية المواطنين، ولم يؤد إلى وقف التمييز ضدهم في جميع المجالات، وبقيت الولايات الجنوبية تتسامح مع العنف، وتحديداً حرق أو إعدام المواطنين السود، حتى قيام حركة الحقوق المدنية في ستينات القرن العشرين، وقيام الرئيس ليندون جونسون بتوقيع قانون الحقوق المدنية في 1964، وقانون حقوق التصويت في 1965. هذين التشريعين التاريخيين أديا إلى هدم صرح الفصل العنصري والتفرقة العنصرية التي كانت تمارسه معظم الولايات الجنوبية.

ومنذ صياغة وثيقة إعلان الاستقلال، وحتى ستينات القرن الماضي، بقيت هذه الوثيقة في صلب الخطاب السياسي في البلاد، حيث كانت تعتبر وثيقة ثورية سابقة لزمنها، وفي الوقت ذاته وثيقة لم تجرؤ على إلغاء العبودية. كيف يمكن تفسير التوفيق بين المثل الديموقراطية العليا ومؤسسة العبودية التي تجرد الإنسان من إنسانيته، كيف يمكن تبرير التعايش بين الحرية والرق، في بلاد اعتبر مؤسسوها أنها منارة حضارية، ومثالاً يجب تحذو حذوه الدول الأخرى؟

بعد مرور 250 عاماً على هذه التجربة الأميركية المتميزة، المزاج الأميركي قاتم بامتياز، وجاء في استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بيو للأبحاث أن 59 بالمئة من الأميركيين يعتقدون أن أفضل السنوات هي في الماضي، مقابل 40 بالمئة يقولون العكس. كما يرى 40 بالمئة أنهم أكثر تشاؤماً من المتفائلين (28 بالمئة) حول مستقبل الولايات المتحدة بعد خمسين سنة من الآن.

هذا المزاج القاتم في استطلاع مؤسسة بيو، أكدته آخر الاستطلاعات الوطنية التي أجرتها مؤسسة غالوب وشبكة التلفزيون أن بي سي وشبكة فوكس وجامعة أيلون وكلية إمريسون، والتي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في مشاعر القلق في أوساط المجتمع الأميركي، بما في ذلك النظرة المتشائمة لمستقبل الولايات المتحدة.

هذه الاستقطابات، لم يخلقها ترامب، ولكنه استغلها ببراعة لتبرير سياساته المعادية لحقوق الأقليات والنساء والمهاجرين، وخاصة من دول العالم الجنوبي، وميله إلى تجاهل الدستور وأحكامه، واستخدام المؤسسات الحكومية مثل وزارة العدل ضد خصومه، وسعيه بشكل اعتباطي تغيير معالم البيت الأبيض، مثل بناء قاعة رقص ضخمة ملحقة بالبيت الابيض، وكذلك معالم العاصمة، كلها ممارسات زجت البلاد في خطر وشيك.  وتشكل الهوة الاقتصادية الواسعة في الدخل المالي بين أكثرية الأميركيين، الذين يشكون من غلاء المعيشة وتكاليف التعليم والعناية الصحية، وأقلية أوليغارشية جشعة من أصحاب البلايين من الدولارات، ظاهرة تهدد السلم الأهلي والتعايش المتسامح بين مكونات المجتمع الاميركي.

تعرضت الولايات المتحدة في تاريخها الوجيز إلى امتحانات وتحديات صعبة اقتصادية وسياسية وعرقية من الداخل والخارج، ولكنها بقيت تعمل وفق بنود الدستور نفسه، مع تعديلاته اللاحقة، والقيم والمبادئ التي تعكسها وثيقة إعلان الاستقلال، على الرغم من ظلم “الخطيئة الأصلية”. وحافظ الأميركيون على المؤسسات والقيم الديموقراطية، حتى خلال الحرب الأهلية، حين أعادوا انتخاب الرئيس إبراهام لينكولن خلال الحرب، كما أعادوا انتخاب الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت خلال الحرب العالمية الثانية.

وكانت البلاد تخرج من كل تجربة صعبة، أكثر اتحاداً وأكثر ثقة بنفسها وبمستقبلها. وبالرغم من المزاج الشعبي القاتم، سوف يخرج الأميركيون من تجربتهم الصعبة الحالية كما فعلوا في السابق، لأن التجربة، أو “الفكرة” الأميركية رغم الامتحانات الصعبة، لا تزال تتميز بإنجازاتها العلمية وابداعاتها الثقافية والفنية، وحيويتها الاقتصادية، والفسيفساء الإنساني المتنوع فيها، والذي يواصل تطويرها وتغييرها ايجابياً. كل هذه العوامل تُبقي المنارة الأميركية مشعة في أحلك الظروف، وتجعل هذه الدولة التي بنيت على “فكرة” كانت قبل 250 سنة ثورية، وتتوق في سعي لا ينتهي إلى الكمال، دولة استثنائية فريدة من نوعها في العالم.

الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.

هشام ملحم

باحث غير مقيم

التحليلات

من الغضب الملحمي إلى مذكرة تفاهم واهية

انتهت حرب ترامب على إيران بمذكرة تفاهم هشّة، منحت طهران مكاسب استراتيجية، وأعادت فتح مضيق هرمز بشروطها.

هشام ملحم

7 دقائق قراءة

ترامب في مواجهة أخطر أزمة خارجية

اتخذ ترامب قرار الحرب بعد أن أقنعه بنيامين نتنياهو بأن النظام الإيراني مقبل على الانهيار، وأن الحرب لن تستمر لوقت طويل، وسوف تنتهي بانتصار حاسم. وبدلاً من إخضاع إيران، كشفت الحرب حدود القوة الأميركية والإسرائيلية.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

الصين الصاعدة أو المهيمنة

الحقيقة التي كشفتها قمة الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ هي أن الولايات المتحدة قد فقدت نفوذها على الصين.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

الرئيس ترامب في ظل إيران

إن الرئيس ترامب، حتى ولو استمر العمل باتفاق وقف إطلاق النار، سوف يمضي ما تبقى من ولايته الثانية في ظل إيران.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

حارس أمن يمرّ أمام لوحة إعلانية عن المحادثات الأميركية-الإيرانية خارج مركز إعلامي، تم اعداده لتغطية الاجتماع الرسمي بين الولايات المتحدة وإيران، في إسلام آباد، باكستان، 12 أبريل 2026. (صورة من أسوشييتد برس/أنجم نافيد)
عرض الكل