"*" indicates required fields

This field is for validation purposes and should be left unchanged.

اشترك

عند الاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية المعتمدة لدينا.

Subscription Settings
التحليلات

الصين الصاعدة أو المهيمنة

الحقيقة التي كشفتها قمة الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ هي أن الولايات المتحدة قد فقدت نفوذها على الصين.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

الرئيس دونالد ترامب يسير برفقة الرئيس الصيني شي جين بينغ في مجمّع القيادة في تشونغنانهاي 15 مايو 2026، في بكين. (صورة من أسوشييتد برس/مارك شيفلباين)

خلال أسبوع واحد، استقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين اللذين يصارعان نزاعات عسكرية من صنعهما، أثبتت أن حلها أصعب بكثير مما كانا يتوقعان قبل التورط فيها.

الاستقبال الحافل بالموسيقى والألوان والأطفال الذين لوحوا بالأعلام والهتافات، لم تخف حقيقة أن الرئيس الصيني بدا في مركز أقوى من زائريه، حيث يواصل العمل على تقوية الصين اقتصادياً وعسكرياً، وفي الوقت ذاته، إبراز صورة بلاده كقوة عظمى مستقرة، وواثقة من دورها على المسرح العالمي.

الثناء السخي الذي ألقاه الرئيس ترامب على الرئيس شي جين بينغ عكس رغبة واشنطن بفتح الأسواق الصينية أمام المنتجات الزراعية والطائرات المدنية، وغيرها من البضائع التي تأثرت سلباً من الرسوم الجمركية، التي فرضها ترامب في السنة الأولى من ولايته. ومع أن الرئيس ترامب نفى رسمياً أنه ينوي الطلب من الرئيس الصيني أن يستخدم نفوذه لإقناع إيران بفتح مضيق هرمز، إلا أن جميع المؤشرات تؤكد هذا الطلب. وهذا الأمر بحد ذاته يكشف المعضلة التي يواجهها ترامب، الذي يجد نفسه في مأزق لم يكن موجوداً قبل الحرب ولم يكن يتوقعه. إدراك الرئيس ترامب أن أسوأ أزمة سياسية يواجهها في ولايته الثانية، يمكن أن تتحول إلى أسوأ كارثة في سياسته الخارجية، هو الذي ساهم في طلبه المساعدة من الرئيس الصيني.

الرئيس الروسي بوتين، العاجز عن الخروج من حرب مضنية ومكلفة، شنها في سنة 2022 ضد أوكرانيا، الذي زار الصين بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، خاصة الاتفاق النهائي على بناء خط أنابيب الغاز الطبيعي، المعروف باسم سيبيريا-2 بطول 1616 ميل من روسيا عبر منغوليا إلى الصين، ويُفترض أن ينقل 50 بليون متر مكعب في السنة. ولا يزال الخلاف حول كلفة خط الأنابيب الذي ستبنيه شركة غاسبروم الروسية العقبة الأساسية أمام الاتفاق النهائي. واكتسب خط الأنابيب هذا أهمية خاصة لروسيا بعد مقاطعة الدول الأوروبية لها عقب غزوها لأوكرانيا، ما أدى إلى فقدانها للأسواق الأوروبية.

نتائج الزيارتين كانت متواضعة، ولم تؤد إلى اختراقات أو انجازات اقتصادية أو استراتيجية هامة، ولكن تهافت الولايات المتحدة وروسيا على الصين، لطلب ود الرئيس شي جين بينغ كان بحد ذاته العنوان الرئيسي لتغير طبيعة العلاقات بين الدول الكبرى. زيارتي الرئيسين ترامب وبوتين للصين جعلا بيكين تبدو وكأنها المرجع أو القبلة السياسية التي يتطلع إليها الساعون إلى المساعدة.

ومن الواضح أن روسيا بجاجة إلى بناء خط أنابيب الغاز سيبيريا-2 أكثر مما تحتاجه الصين، التي تتصرف ببطء، حتى في هذا الوقت الحرج في ظل تبعات اغلاق مضيق هرمز، وتحتفظ بالمرونة في مجال انتقاء خياراتها المتعلقة باحتياجاتها من النفط والغاز، وتفادي الاعتماد على مصدر واحد.

بوتين زار الصين وشعبيته متدنية في روسيا، وصورته كحاكم قوي تتعرض للشكوك، في الوقت الذي تواصل فيه أوكرانيا تحسين أدائها الميداني، وتطوير قدرة مسيراتها على إصابة أهدافها بدقة حتى في موسكو، ما يعزز عجز بوتين من الافلات من حرب شنها منذ حوالي أربع سنوات، وتسببت في مقتل مئات الآلاف من الجنود الروس والأوكرانيين، وتدمير مدن وبلدات أوكرانية في هجمات صاروخية ضد المدنيين.

وفي المقابل، يواجه ترامب الانتقادات اللاذعة ليس فقط من الناخبين الديموقراطيين والمستقلين، بل أيضاً من بعض الجمهوريين، بسبب معدلات التضخم وزيادة أسعار الوقود، وتركيز ترامب على المشاريع الجانبية التي تخدم نرجسيته، مثل بناء قوس نصر كبير، وقاعة رقص ضخمة سوف تغير من معالم البيت الأبيض، وهي مشاريع تعكس تورط الرئيس وعائلته في فساد غير مسبوق في تاريخ الرؤساء الأميركيين، كما يقول المؤرخون وغيرهم من المراقبين. وكشف أخر استطلاع للرأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز أن 64 بالمئة من الأميركيين لا يوافقون على الحرب ضد إيران، وأن شعبية ترامب قد انهارت إلى أدنى مستوياتها، ووصلت إلى 37 بالمئة. وكان من اللافت أن اكثرية الأميركيين لا يوافقون على كيفية إدارة ترامب لقضايا مثل الهجرة والاقتصاد والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وكلفة المعيشة.

ولم يكن من المستغرب أن تنتهي القمة الصينية-الروسية بتوجيه اللوم التقليدي للولايات المتحدة، وإدانة قرار الرئيس ترامب بناء ما يسمى “القبة الذهبية”، وهي النظام الدفاعي الذي يفترض أن يحمي الولايات المتحدة من الهجمات الصاروخية، على غرار “القمة الحديدية” التي بنتها إسرائيل لاعتراض الصواريخ.

وقال شي جين بينغ، إن “العالم اليوم لا يزال بعيداً عن السلام، حيث تمثل التصرفات الأحادية الجانب والهيمنة أخطاراً عميقة. والعالم يواجه المجازفة بالتراجع إلى قانون الغاب”.

الحقيقة المحرجة التي كشفتها قمة الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ هي أن الولايات المتحدة قد فقدت نفوذها على الصين. وخلال سنة، فرض ترامب حصاراً اقتصادياً فعلياً ضد الصين حين أعلن عن رسوم جمركية بقيمة 145 بالمئة على معظم البضائع الصينية. واضطر ترامب إلى تخفيض الرسوم المتبادلة بعد أن قررت المحكمة العليا أنه لا يملك الصلاحيات لفرض مثل هذه الرسوم. وبما أن الحرب التجارية بين البلدين، دفعت بالصين إلى وقف صادراتها من المعادن النادرة الضرورية للصناعات العسكرية والمدنية، اضطر ترامب للبحث عن مخرج من هذه الحرب في خطوة رأتها الصين تراجعاً اميركياً وانتصاراً لها. وهكذا، خلال ربيع السنة الماضية، أعلن ترامب حرباً تجارية ضد الصين، وقبل نهاية السنة، بدأ يتحدث عن شراكة بين الصين والولايات المتحدة.

وبما أن الصين تستورد كميات ضخمة من النفط الإيراني بأسعار مخفضة، وبما أن مضيق هرمز مغلق أمام الملاحة الدولية، فقد افترص ترامب خطأً أن مصلحة الصين الآنية تقضي بمطالبة إيران بفتح المضيق. وعاد ترامب إلى واشنطن والمضيق لا يزال مغلقاً.

الرئيس ترامب، الذي اضطر إلى تأجيل القمة، كان يفترض أنه سيحقق انتصاراً عسكرياً كاسحاً قبل زيارته إلى الصين، اضطر للقاء الرئيس الصيني تحت ظلال الحرب، التي أضعفت من قدرته التفاوضية، وكشفت بشكل سافر محدودية القوة العسكرية الأميركية، والإحراج الذي سببه طلب ترامب المساعدة من دولة منافسة مثل الصين. وكما توقع الخبراء في العلاقات الثنائية، لم تحقق القمة أي اختراقات سياسية أو اقتصادية، حيث أعلن الرئيس ترامب – وليس الجانب الصيني – عن اتفاق مبدئي بأن تشتري الصين 200 طائرة ركاب من شركة بوينغ (كانت بوينغ تتوقع شراء 400 طائرة)، إضافة إلى شراء الصين لمنتجات زراعية من ولايات أميركية يحتاج ترامب لأصواتها في الانتخابات النصفية بعد ستة أشهر.

منذ زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون التاريخية إلى الصين في سنة 1972، وتدشين العلاقات الجديدة بين البلدين، والصين تنظر بحسد واعجاب إلى النموذج الأميركي، ولكن هذه الصورة تغيرت بعد بروز ظاهرة ترامب. ولم تعد الصين ترى في المجتمع الأميركي عناصر القوة التي كانت تجذبها وتقلقها في الوقت ذاته. بما في ذلك الاستقرار السياسي ومناعة النظام الديموقراطي، ودينامية المجتمع المدني والتقدم الاقتصادي، والجامعات التي كانت تجذب آلاف الطلاب الصينيين لتلقي تحصيلهم الدراسي في جميع الاختصاصات العلمية (قبل أكثر من عشر سنوات كانت 17 جامعة أميركية من بين عشرين أبرز جامعة في العالم). هذه الصورة الوردية للولايات المتحدة، تغيرت جذريا مع وصول ترامب إلى السلطة. ويشير الصينيون إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الأصدقاء والخصوم معاً، والهجمات التي يشنها على الحلفاء بدءاً من جارتي الولايات المتحدة كندا والمكسيك، ومروراً بأوروبا وانتهاء بأستراليا، وسياساته العدائية ضد الهجرة، وخاصة من دول عالم الجنوب، وتقويضه للمؤسسات السياسية الشرعية، مثل حض أنصاره على اجتياح مبنى الكابيتول، كلها عوامل أكدت صحة رؤية الرئيس شي جين بينغ، أن الصين هي القوة الصاعدة في العالم، وأن الولايات المتحدة هي امبراطورية في حالة تدهور.

ولذلك كان من اللافت، أن الرئيس الصيني لم يتطرق إلى الحربين اللتين هددتا أوروبا والشرق الأوسط، أي في أوكرانيا وإيران، بل اختار أن يضع التنافس بين بلاده والولايات المتحدة في سياق تاريخي، حين عاد إلى كتاب “تاريخ الحرب البيلوبونيسية” للمؤرخ ثوسيديديس، هذا الصراع الذي استمر لعقود بين مدينتي أثينا وأسبرطة قبل أكثر من ألفين وأربعمائة سنة، حين تساءل “هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تخطي ما يسمى بفخ ثوسيديديس”، وبناء نموذج جديد للعلاقات بين الدول الكبرى”.

وكان أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد جرهام أليسون، قد عمم هذه العبارة حين أشار إلى أمثلة تاريخية عديدة، حين تقوم دولة أو إمبراطورية صاعدة بتهديد دولة أو إمبراطورية مسيطرة، فإن الحرب تكون شبه حتمية بينهما، استناداً إلى ما قاله ثوسيديديس  من أن صعود أثينا والخوف الذي خلقته هذه الظاهرة في أسبرطة جعلت الحرب حتمية”.

قد لا يكون مستقبل العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الوقوع في فخ ثوسيديديس، ولكن مما لا شك فيه أن الصين بتاريخها القديم وحضارتها المتميزة، والتي تجعلها تبدو عالماً بحد ذاته، تجد نفسها في تنافس حاد مع الولايات المتحدة التي ستحتفل بعد بضعة أشهر بعيد ميلادها المائتين وخمسين، والتي رسمت منذ الحرب العالمية الثانية النظام العالمي كما عرفناه قبل ظاهرة ترامب. والسؤال الذي يوحي به ثوسيديديس    هو: هل سيحول تسونامي ترامب، بتخبطه وتفرده وانغلاقه، الصين من دولة صاعدة إلى دولة مهيمنة؟

الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.

هشام ملحم

باحث غير مقيم

التحليلات

الرئيس ترامب في ظل إيران

إن الرئيس ترامب، حتى ولو استمر العمل باتفاق وقف إطلاق النار، سوف يمضي ما تبقى من ولايته الثانية في ظل إيران.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

حارس أمن يمرّ أمام لوحة إعلانية عن المحادثات الأميركية-الإيرانية خارج مركز إعلامي، تم اعداده لتغطية الاجتماع الرسمي بين الولايات المتحدة وإيران، في إسلام آباد، باكستان، 12 أبريل 2026. (صورة من أسوشييتد برس/أنجم نافيد)

كيف خسرت إسرائيل الولايات المتحدة

بغض النظر عن وقت وظروف انتهاء الحرب، سوف يوجّه الكثير من الأميركيين اللوم لإسرائيل، وتحميلها جزءاً كبيراً من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذه الحرب.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

الحرب على إيران بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية

حرب أخرى، تخوضها الولايات المتحدة، تُظهر أن التفوق العسكري لا يكفي لصنع نصر سياسي، وأن كلفة المواجهة قد تتجاوز أهدافها المعلنة.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

كيف ستنتهي الحرب ضد إيران

لا توجد لدى ترامب خيارات سهلة لإنهاء الحرب من جانب آحادي.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

عرض الكل