انتخابات نصفية مفصلية
مع اقتراب الاقتراع في الانتخابات النصفية، يتداخل الغضب من السياسات الاقتصادية مع القلق على الديمقراطية الأميركية، وتزداد المخاوف من طريقة تعامل ترامب مع خسارة جمهورية محتملة.
سوف تخضع الديموقراطية الأميركية وإرثها الطويل إلى امتحان صعب لم تختبره منذ أجيال في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل لانتخاب كونغرس جديد في انتخابات نصفية على خلفية استقطابات وتوترات سياسية عميقة، وأزمة اقتصادية حادة، في ظل رئيس يواصل إضعاف المؤسسات والسلطات الديموقراطية الأخرى في البلاد، مثل السلطة التشريعية، حيث نجح في تحييد الكونغرس مع أن حزبه يسيطر على المجلسين، وتحدي قرارات المحكمة العليا وغيرها من المحاكم، مع أن أكثرية قضاة المحكمة العليا قريبون من الرئيس سياسياً وايديولوجياً.
ومنذ أن بدأ ولايته الثانية، سارع ترامب إلى إضعاف مؤسسات المجتمع المدني، مثل وسائل الإعلام والقضاء المستقل والجامعات، مستخدماً وزارة العدل وغيرها من الأجهزة الحكومية لترهيب هذه المؤسسات ومقاضاتها، تماماً كما يحدث في الدول التي يحكمها قادة متسلطون. وهكذا بدأ ترامب تمرده على المؤسسات الديموقراطية في الدولة كما في المجتمع المدني، واتسمت ولاية ترامب الثانية بانتشار الفساد المالي الذي وصل إلى مستويات غير معهودة.
أدان الرئيس ترامب حروب أسلافه في أفغانستان والعراق، ووصفها بالحروب التي لا نهاية لها، وتعهد بعدم توريط البلاد في حرب مكلفة وطويلة. ولكن نظرته الفوقية للدول الأضعف وطموحاته التوسعية، دفعته للإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واختطافه في غارة سريعة لم تخسر فيها القوات الأميركية أي عسكري. هذا النجاح في فنزويلا، الذي كان مدفوعاً برغبة ترامب الصريحة بالاستيلاء على الثروة النفطية في البلاد، عزز من قناعة الرئيس أن القوات المسلحة الأميركية قادرة على انجاز أي مهمة يطلبها. بعد أسابيع من الغارة واختطاف مادورو، وبتشجيع من إسرائيل، قرر ترامب أن يحقق في إيران ما حققه في فنزويلا. وفي أواخر شهر فبراير/شباط الماضي، شنت الولايات المتحدة واسرائيل حرباً جوية مكثفة، أدت إلى اغتيال عدد هام من القيادات الدينية والسياسية والعسكرية، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وتدمير جزء كبير من الترسانة الحربية الإيرانية.
منيت جميع محاولات ترامب لإنهاء الحرب بشروطه بالفشل في وجه الرفض الإيراني. قرار طهران بإغلاق مضيق هرمز، ومحاصرة البحرية الأميركية للموانئ الإيرانية، خلق أزمة غير معهودة في سوق النفط العالمي، وزيادة سريعة في أسعار المحروقات وخاصة المازوت، التي لا يزال يعاني منها المستهلك الأميركي. أدت زيادة أسعار المازوت بالتحديد إلى الحاق خسائر في القطاع الزراعي وفي قطاع النقل، مما أدى إلى زيادة أسعار الأغذية.
وتضافرت كلفة الحرب وغلاء المعيشة، والضرائب غير المباشرة التي يدفعها الناخب الأميركي بسبب الرسوم الجمركية، التي شنها ترامب ضد معظم دول العالم، والتي ردت بالمثل، في انحسار شعبية الرئيس ترامب إلى أدنى مستوياتها منذ انتخابه. وتبين مختلف استطلاعات الرأي أن معدل الأميركيين الذين يوافقون على أداء ترامب لا يتعدى 34 بالمئة، بينما تصل نسبة الذين لا يوافقون على كيفية إدارته للبلاد إلى 65 بالمئة. أظهر آخر استطلاع أجرته شبكة التلفزيون سي إن إن أن شعبية ترامب تدنت إلى 32 بالمئة. ويحّمل الناخب الأميركي الرئيس ترامب شخصياً مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها مع اقتراب موعد اختيار كونغرس جديد.
تاريخياً، تُعتبر الانتخابات النصفية استفتاءً على أداء الرئيس في منتصف ولايته، وتؤدي عادة إلى خسارة حزبه لمجلسي الكونغرس، أو على الاقل إلى خسارة مجلس واحد. ويجري انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب، البالغ عددهم أربعمائة وخمسة وثلاثين عضواً، كل سنتين، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ تقريباً، أي ما بين ثلاثة وثلاثين وخمسة وثلاثين عضواً من أصل مئة، وأربعة وثلاثين حاكماً في كل انتخابات نصفية.
ويحتاج الحزب الديموقراطي للفوز بأربعة مقاعد تضاف إلى عددهم الحالي في كل مجلس للسيطرة على الكونغرس. وبلغت الكلفة المالية للدعايات الحزبية مع حلول منتصف أكتوبر/تشرين الأول حوالي 3.8 مليار دولار، حيث أنفق جزء كبير منها على تمويل المرشحين لمجلس الشيوخ عن ولايات مثل تكساس وماين وأوهايو ونورث كارولينا وآيوا وجورجيا. وتبرع رجل الأعمال الثري والمقرب من ترامب ايلون ماسك بـ 366 مليون دولار للمرشحين الجمهوريين، مقارنة برئيس بلدية نيويورك السابق ورجل الأعمال مايكل بلومبيرغ الذي تبرع ب 80 مليون دولار للمرشحين الديموقراطيين.
خلال ولايته الثانية، تفرد الرئيس ترامب باتخاذ القرارات، وتفادى استشارة الكونغرس مع أن حزبه يسيطر على المجلسين، وتجاهل أحكام القضاء، وانشغل بإثراء نفسه وعائلته وأصدقائه، بحيث أصبح الفساد من أبرز التهم الموجهة لإدارة ترامب. وتبين الوثائق الحكومية أن دخل الرئيس ترامب من شركاته الخاصة زاد عن ملياري دولار في السنة الماضية. وفي الأسبوع الماضي، اضطر ترامب إلى طرد سفيرته لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل بسبب تورطها بفساد مالي محرج.
وبدلاً من معالجة الأزمة الاقتصادية وإنهاء الحرب ضد إيران، انصب اهتمام ترامب على تغيير معالم العاصمة واشنطن، من خلال بناء قاعة احتفالات أكبر من البيت الأبيض، بعد هدم جناح منه، والعمل على بناء قوس نصر، وغيرها من القرارات الاعتباطية المثيرة للجدل التي دفعت بمنظمات مختلفة إلى مقاضاته.
انحدار شعبية ترامب وخسارته لشرائح هامة في الائتلاف الذي أوصله إلى البيت الأبيض، مثل الناخبين من أصل لاتيني والشباب والمستقلين، دفع بالعديد من المرشحين الجمهوريين إلى تفادي الرئيس وعدم الظهور معه في المهرجانات الحزبية.
ويركز مرشحو الحزب الديموقراطي على المضاعفات السلبية للحرب ضد إيران، ومعاناة الناخبين من غلاء المعيشة، وارتفاع نسبة البطالة، وفساد البيت الأبيض، وتدهور العلاقات مع الحلفاء، الأمر الذي عزز من فرصهم في الفوز بمجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضاً. وهناك حماس واضح في أوساط الناخبين الديموقراطيين على الاقبال على الاقتراع لضبط ترامب واجراء التحقيقات في سلوكه المالي والسياسي. وفي المقابل يتخوف بعض قادة الحزب الجمهوري وناخبيهم من أنهم يقتربون من خسارة مقاعد كانت تقليدياً في الصف الجمهوري لسنوات، وأحيانا لعقود في بعض الولايات مثل تكساس وأوهايو ونورث كارولينا. وتؤكد استطلاعات الرأي تقدم معظم المرشحين الديموقراطيين في السباق. وفي حال سيطرة الديموقراطيين على مجلس النواب، سوف يصبح النائب حكيم جيفريز، رئيس الأقلية حالياً، أول رئيس أفريقي-أميركي لمجلس النواب.
وتؤكد استطلاعات الرأي كل يوم تقريبا معاناة الناخبين الاقتصادية والتي يستخدمها المرشحون الديموقراطيون في حملاتهم. وجاء في استطلاع لمركز بيو للأبحاث أن 44 بالمئة من الناخبين يواجهون صعوبة كبيرة في دفع نفقات المعيشة الأساسية، مثل العناية الصحية والايجار ووسائل النقل والأغذية. وهذه الاحصائيات تبين مدى انتشار المعاناة الاقتصادية التي تواجهها العائلات الأميركية في مختلف انحاء البلاد.
تقدم الحزب الديموقراطي ومرشحيه، وحماس الناخبين الديموقراطيين للسيطرة على الكونغرس، والتصدي لممارسات الرئيس ترامب، دفعت بالرئيس وغيره من المسؤولين، وخاصة نائب الرئيس جي دي فانس، إلى تصعيد هجماتهم ضد المرشحين الديموقراطيين، ولجأوا دون خجل إلى تزوير الحقائق وتضليل الناخبين بأن فوز الديموقراطيين سوف يؤدي إلى عنف داخلي.
ولجأ ترامب إلى رسم صورة سوداوية لمستقبل الولايات المتحدة، وقال “حين تشاهدون الكنائس المحترقة في فرنسا، تذكروا أن هذا ما يريد أن يفعله المتطرفون الديموقراطيون لأميركا”، ويواصل ترامب الادعاء أن أعمال الشغب والمظاهرات في فرنسا هي بسبب المهاجرين الذين يرفضون الحضارة الغربية، مضيفاً أن “الإسلام يريد السيطرة على دولة كانت عظيمة”. وفي أحد خطبه الأخيرة، ادعى ترامب أن هناك خمس ولايات تقوم فيها السلطات بعمليات جراحية لتحويل الشباب المراهقين إلى شابات، في آخر نظرية مؤامرة يرددها.
واتسمت خطب ترامب في الأشهر الأخيرة بالبذاءة والشتائم والإهانات الشخصية، مثل اتهامه لعبد الرحمن السيد المرشح الديموقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشغان، والمولود في الولاية من أبوين مصريين، أن السيد “سيعيد ميشغان إلى أفكار جهادية” ويستخدم ترامب أوصاف متناقضة للسيد، منها “متطرف إسلامي” و”رجعي” ويحمل “ميولاً إرهابية” إضافة إلى أنه “شيوعي”.
سوف تصل الولايات المتحدة إلى نقطة مفصلية هامة إذا فاز الحزب الديموقراطي بمجلسي الكونغرس، أو حتى في مجلس واحد، لأن النزاع مع الرئيس ترامب سوف يزداد حدة، خاصة أنه تمتع بمناعة واسعة في النصف الأول من ولايته الثانية دون أي محاسبة.
ولا يستبعد بعض المحللين من لجوء ترامب إلى اتخاذ اجراءات جذرية وأحادية الجانب إذا كانت خسارة حزبه كبيرة، بما في ذلك إعلان حالة الطوارئ بحجة التحقيق في تزوير نتائج الانتخابات، وهي الحجة التي يستخدمها منذ سنوات ضد الديموقراطيين. وللتشكيك بصدقية ونزاهة عملية الاقتراع ادعى ترامب دون تقديم أي دليل، أن بعض الولايات تزور الانتخابات المبكرة، حيث وصل عدد المقترعين إلى أكثر من 14 مليون ناخب.
كل هذه التطورات والممارسات تؤكد مرور الديموقراطية الأميركية، التي يسعى ترامب إلى تقويض بعض أسسها، في امتحان صعب للغاية لم تختبره منذ حقبة المكارثية في خمسينات القرن الماضي، حين قام السناتور الجمهوري جوزيف مكارثي بشن حملة إرهاب ثقافي وسياسي ضد سياسيين وفنانين وكتاّب بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي في أوج الحرب الباردة، وشوه سمعتهم وألحق بهم خسائر مالية، وذلك دون تقديم أي أدلة تؤكد مزاعمه، مما عمّق من مشاعر الذعر والاستقطابات في البلاد، حيث أصبح اسمه في الولايات المتحدة والعالم مرادفاً لحملات الترهيب السياسي والثقافي التي يمارسها القادة المتسلطون في الدول غير الديموقراطية.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.