ذكرى مرور ربع قرن بعد هجمات 11 سبتمبر
كشفت حربا أفغانستان والعراق حدود القوة الأميركية، وبعد 25 عاماً تبدو واشنطن مهددة بتكرار الأخطاء نفسها في حربها مع إيران.
خلال الساعات الأولى من يوم خريفي مشمس قبل 25 سنة، تعرضت الولايات المتحدة لأكبر هجوم خارجي منذ الغارة اليابانية على مرفأ بيرل هاربر في هاواي في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941. هذه المرة، شن 19 ارهابياً هجمات انتحارية مستخدمين 4 طائرات مدنية لتدمير برجي التجارة العالمي في نيويورك، وإلحاق أضرار كبيرة في مبنى وزارة الدفاع قرب واشنطن. اما الطائرة الرابعة فقد تصدى ركابها للخاطفين ما أدى إلى سقوطها في ولاية بنسلفانيا بعيدة عن هدفها في واشنطن، إما البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول. أدى الهجوم الياباني المفاجئ إلى مقتل 2335 عسكري، بينما وصل عدد ضحايا هجمات سبتمبر/أيلول 2001 إلى 2977 مدني.
لن ينسى الأميركيون الدمار الذي جلبته الهجمات المنسقة ضد نيويورك بصفتها مركز الأسواق المالية، ورمز القوة الأميركية المتمثل بمقر القيادة العسكرية في البنتاغون، وتعطيل الملاحة الجوية في البلاد لأول مرة لبضعة أيام. ولا تزال صور انهيار البرجين في نيويورك وحرائق وزارة الدفاع محفورة في الذاكرة الجماعية للأميركيين، حيث يتذكر معظم الأميركيين أين كانوا، وما الذي كانوا يفعلونه حين علموا بالكارثة. وللمرة الأولي في تاريخها الحديث، تدرك الولايات المتحدة أنها معرضة ومكشوفة لما وصفه البعض بالإرهاب المعولم، وأن “اخفاق المخيلة” لدى المسؤولين المدنيين والعسكريين، والأكاديميين في مراكز الأبحاث أوصلها إلى نكسة تاريخية، تم التخطيط لها في أفغانستان، ونفذها 19 شاب عربي، بكلفة لا تزيد عن نصف مليون دولار.
تضامن العالم مع محنة الشعب الأميركي عاطفياً وسياسياً، وقاتلت قوات حلف الناتو إلى جانب القوات الأميركية في أفغانستان في حرب اعتبرها العالم عادلة ومبررة. ولكن غزو العراق كان أمراً مختلفاً، لأن نظام صدام حسين لم يكن متورطاً في هجمات سبتمبر، وتغيير الأنظمة السياسية، حتى ولو كانت استبدادية، لا يبرر الغزو. وهكذا بدأت واشنطن الحروب التي لا نهاية لها، ومحاولة زرع قيم الديمقراطية ومؤسساتها في أرض قاحلة.
الرد الأميركي العسكري ضد تنظيم القاعدة، وزعيمه أسامة بن لادن ونظام الطالبان الذي وفر له الملجأ، كان سريعاً وضخماً ومتهوراً. خلال القرن المنصرم تعرضت جميع العواصم الأوروبية والآسيوية خلال الحربين العالميتين إلى القصف أو الحصار، بينما بقيت واشنطن والمدن الرئيسية في البلاد بمنأى عن أي خطر خارجي. أدت الهجمات إلى تغييرات بنيوية سياسية وإدارية، مثل تشكيل وزارة الأمن الداخلي، وسن قانون المواطنة الذي يوفر صلاحيات قانونية إضافية للسلطات لمراقبة المواطنين.
وخلال أسابع قليلة، أدرك الأميركيون أن الهجمات غّيرت جميع أوجه الحياة في البلاد، وفتحت الباب أمام إدارة الرئيس جورج بوش الابن لشن ما سمي “الحرب ضد الارهاب” (في الواقع كانت هذه الحرب ضد التنظيمات الاسلامية الجهادية) وسياسة “بناء الأمم”، بعد أن تورطت واشنطن في أطول حربين في تاريخها، في أفغانستان والعراق، كانت كلفتهما البشرية والمادية هائلة. وعلى مدى عقدين في القرن الحالي سيطر هاجس هذين الحربين وما صاحبهما من الحملة العالمية ضد “الدولة الإسلامية” في العراق وسوريا وملاحقة فلول القاعدة والتنظيمات المتطرفة على الطبقة السياسية، بطريقة مماثلة لانشغال واشنطن والعواصم الأوروبية في آخر عقود القرن العشرين، بانهيار الاتحاد السوفياتي، وولادة جمهوريات جديدة، أدت إلى تغيير خارطة آسيا وأوروبا.
خلال ربع القرن الماضي، قام الأميركيون بمراجعة نقدية لمضاعفات هجمات سبتمبر/أيلول والحروب التي خلفتها، وكيف غيرت المجتمع الأميركي سياسياً وثقافياً وقانونياً، وكيف غيرت العلاقات الدولية للولايات المتحدة، وصدرت دراسات وكتب عديدة حول “دروس” هذه التجربة المرّة، وكان أبرز هذه الدروس هو تفادي التورط في “الحروب التي لا نهاية لها”، بعد أن تبينت محدودية القوة العسكرية الأميركية في جبال أفغانستان وشوارع المدن العراقية، وبعد الاخفاق الذريع لطموحات مفهوم “بناء الأمم” وما سمي “أجندة الحرية” التي تبناها لفترة وجيزة الرئيس بوش، لتعزيز الديموقراطية وبناء مؤسساتها كأفضل طريقة لمكافحة التطرف الإسلامي.
ولكن هذه الحروب كشفت الوجه البشع للولايات المتحدة، والمتمثل بالسجون الرهيبة التي أشرفت عليها في أفغانستان والعراق، وفي قاعدة غوانتانامو في كوبا، وإساءة معاملة المعتقلين، والتي اعتبرتها منظمات حقوق الانسان بمثابة تعذيب، وطلب المساعدة من دول أخرى لا تمنع قوانينها استخدام الوسائل القاسية لاستجواب هؤلاء المعتقلين. وساهمت هذه الحروب في تعميق الاستقطابات السياسية والثقافية في البلاد، وساهمت في ارتفاع أعمال العنف والقتل الجماعي للأميركيين، واستهداف أفراد الأقليات الدينية والاثنية حيث تعرضت دور العبادة مع المصلين فيها من يهود ومسلمين أو أميركيين من أصل افريقي، أو من أصل آسيوي لهجمات ارهابية دموية.
ولذلك لم يكن من المستغرب أن يكشف أخر استطلاع أجرته وكالة الأنباء رويترز أن 61 بالمئة من الأميركيين يرون أن ايديولوجيات التطرف الداخلي تشكل خطراً أكبر من التنظيمات الإرهابية الخارجية، مقابل 34 بالمئة من الأميركيين الذين قالوا أن خطر التنظيمات الخارجية هو أكبر.
لا أحد يعرف بالضبط عدد قتلى هذه الحروب، والتي استمرت لسنوات طويلة، وطالت منطقة جغرافية تمتد من أفغانستان إلى سوريا، ولذلك يتحدث الخبراء عن مقتل مئات الآلاف من المدنيين والمقاتلين، خلال الغزو الأميركي والحروب الأهلية لاحقاً، واقتلاع مئات الآلاف من المدنيين وتحويلهم إلى نازحين في بلادهم أو لاجئين في الخارج. وزادت قيمة الخسائر المالية عن تريليونين من الدولارات. ولا تزال الولايات تنفق مليارات الدولارات كل سنة كنفقات لمعالجة العسكريين الذين تعرضوا لإصابات خطيرة أو فقدوا أوصالهم، أو يعانون من مشاكل نفسية. وهذا ما يسميه البعض “الثمن الخفي” لهذه الحروب.
نجحت الولايات المتحدة في حماية نفسها من هجوم إرهابي خارجي ضخم خلال ربع القرن الماضي، ولكن ذلك لم يمنع الانهيار الشامل لمشروعها المستحيل في إعادة صياغة الدولة والمجتمع في افغانستان، واضطرت للانسحاب من كابول تحت نيران حركة طالبان، التي أدت إلى خسارة 13 عسكرياً أميركياً في أغسطس/آب 2021. وإذا سلّمنا أن العراق اليوم هو أقل قمعاً مما كان في عهد صدام حسين، إلا أن الثمن الهائل الذي دفعه العراقيون منذ الغزو الأميركي والنزاع المدني الذي عقبه، كان باهظاً ولا يمكن تبريره.
بعد سنوات من انتقاده القاسي والمبرر للحروب التي لا نهاية لها، أدت غطرسة الرئيس ترامب وتفرده باتخاذ القرارات، بانتقاء دولة مسلمة أخرى، إيران، التي تملك الكثير من مقومات الصمود لمهاجمتها مع إسرائيل، دون استشارة الكونغرس او أي من حلفاء واشنطن، مضللاً نفسه والشعب الأميركي أن هذه الحرب ستكون وجيزة، ولن تتعدى أكثر من أربعة إلى ستة أسابيع.
وأدت الحرب إلى استخدام معظم الصواريخ الاعتراضية والقنابل الذكية في الترسانة الأميركية، ما خلق القلق في أوساط العسكريين من أن يؤدي هذا النقص إلى تشجيع دول مثل الصين أو روسيا إلى استغلال هذا الوضع، خاصة وأن استبدال هذه الأنظمة العسكرية يحتاج لوقت طويل، يستمر أحياناً لسنوات.
ومع دخول الحرب شهرها السابع، ومشاركة أكثر من خمسين ألف عسكري في حصار إيران، لم يحقق الرئيس ترامب أياً من أهدافه التي أعلنها عند بداية القتال، ومن بينها اسقاط النظام الاسلامي، أو إنهاء البرنامج النووي، أو ارغام إيران على وقف مساعداتها لوكلائها في المنطقة. ولا يوجد في الأفق أي بوادر للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، او فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً للملاحة الدولية قبل الحرب، ناهيك عن إنهاء البرنامج النووي الإيراني.
وقبل يومين، قال الرئيس ترامب أنه يتوقع استمرار النزاع إلى ما بعد الانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وجزم كعادته بأن الحرب ستتوقف فوراً، وأن أسعار الوقود سوف تنخفض بسرعة. وكان ترامب قد أعلن في مناسبات عديدة أن الولايات المتحدة قد انتصرت في الحرب، وأن طهران تتوسل لإنهاء النزاع. وجاءت هذه التصريحات في أعقاب تقارير صحفية تحدثت عن نجاح الحصار الأميركي في منع إيران من تصدير نفطها، وأن هذا الوضع قد دفع بإيران إلى تصعيد هجماتها، التي طالت للمرة الأولى مهاجمة السفن الحربية الأميركية بشكل مباشر. وجاء في تقرير نشرته صحيفة وال ستريت جورنال أن بعض مساعدي ترامب ومن بينهم نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو وغيرهم قد قالوا في اجتماعاتهم المغلقة أنهم يتوقعون استمرار النزاع مع إيران إلى حين نهاية ولاية ترامب بعد أكثر من سنتين.
يمكن القول أن الحرب ضد الارهاب قد انتهت بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، حيث يتم تركيز الاهتمام الأميركي على صعود الصين اقتصادياً وعسكرياً، ومضاعفات الغزو الروسي لأوكرانيا على الأمن الأوروبي ومستقبل حلف الناتو، والمشاكل العابرة للقارات مثل الهجرة من الدول النامية والأوبئة والتغيير البيئي، إضافة إلى الاضطرابات العالمية الاقتصادية التي تسببت بها الحروب التجارية التي شنها الرئيس ترامب ضد الحلفاء والخصوم معاً من خلال فرضه للرسوم الجمركية بطريقة عشوائية.
الكم الهائل من كتابات ودراسات المحللين العسكريين والمؤرخين عن دروس حربي أفغانستان والعراق، وأسباب فشل واشنطن في الانتصار فيها، بدوره عانى من “اخفاق المخيلة” لأن هؤلاء المحللين لم يتصورا وصول رئيس متسلط ونرجسي مثل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لا يبالي بالمؤسسات الشرعية الضرورية لصيانة الديموقراطية، مثل الكونغرس والقضاء ومؤسسات المجتمع المدني، واستهتاره بالقوانين الدولية. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يدعي الرئيس ترامب، ببساطة محيرة أن الحرب ضد إيران “ليست مهمة”، على الرغم من الثمن البشري والمادي الضخم الذي دفعته المجتمعات التي عانت ولا تزال تعاني من حرائق هذه الحرب.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.