"*" indicates required fields

This field is for validation purposes and should be left unchanged.

اشترك

عند الاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية المعتمدة لدينا.

Subscription Settings
التحليلات

هل يحقق الدولار ما عجز عنه السلاح

بعد تعثر الضغوط العسكرية في دفع طهران إلى التفاوض، تراهن واشنطن على سلاح العقوبات والدولار لخنق الاقتصاد الإيراني، لكن نجاح حملة العقوبات متوقف على انضمام الصين وروسيا والهند إلى هذه الحملة.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

يتحدث وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسينت إلى وسائل الإعلام خارج البيت الأبيض في واشنطن، 20 أغسطس 2026. (صورة من أسوشييتد برس/جاكلين مارتن)

بعد أشهر من القصف المكثف للأهداف العسكرية والبنية التحتية الإيرانية، وبعد فرض حصار بحري ضد الموانئ الإيرانية، وبعد وصول المساعي الديبلوماسية المتقطعة والوساطات العديدة التي قامت بها دول إسلامية، وحتى التوقيع على “مذكرة تفاهم”، إلى طريق مسدود، تسعى واشنطن الآن إلى “خنق” الاقتصاد الإيراني كما قال وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسينت على أمل أن تحقق الولايات المتحدة اقتصادياً ما عجزت عنه عسكرياً حتى الآن.

نجاح هذه “الاستراتيجية المعكوسة”، أي استخدام السلاح الاقتصادي، بعد الحرب، وليس قبلها كما جرت العادة، غير مضمون إذا لم تشارك في العقوبات الدول الرئيسية التي تستورد النفط الإيراني مثل الصين والهند، أو روسيا التي تزداد علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع إيران منذ بدء الحرب.

كشف وزير الخزانة سكوت بيسينت يوم الاثنين عن حزمة جديدة من الاجراءات العقابية المباشرة الهادفة إلى خنق الاقتصاد الإيراني، وفي الوقت نفسه بدء المفاوضات مع الدول الحليفة والمناوئة لواشنطن للمشاركة فيما أسماه “عملية العزل الاقتصادي”، ومعاملة إيران كدولة منبوذة، وإلا تعرضت تلك الدول إلى عقوبات أميركية.

وقال بيسينت “هذه حملة مستدامة لتدمير كل آخر خيار متوفر لإيران. وحملتنا هذه سوف تزداد قوة مع مرور كل يوم، ولن تتوقف إلا عندما يصل النظام الإيراني إلى العزلة التامة”.

وتتضمن هذه العقوبات الجديدة أكثر من ستين كياناً وشخصاً وسفينة في العالم مرتبطة بقطاعات النفط والطاقة النووية وتقنية الصواريخ. إضافة إلى استهداف شبكات غسل الأموال والأصول الرقمية، والذهب وقطاع الطيران، التي تعتبرها إيران حيوية لدعم اقتصادها.

وأشار بيسينت بالتحديد إلى مقاطعة المصرف الوطني الإيراني الذي له فروع عديدة في العالم، ومن بينها دول أوروبية، وطالب هذه الدول بقطع علاقاتها بهذا المصرف، أو المجازفة بعزلها عن “نظام الدولار” الأميركي. وبعد أن استخدمت الولايات المتحدة آلاف الصواريخ الاعتراضية والمسيرات، ومئات الطائرات الحربية، وعشرات السفن وحاملتين للطائرات، والتي ألحقت دماراً هائلاً بالقوات العسكرية والبنى التحتية الإيرانية، ولكنها فشلت في إرغام طهران على التفاوض، تشهر الآن سيفها المالي، أي الدولار، العملة الرئيسية في العالم، في ترهيب اقتصاد الدول الصناعية، وارغامها على المشاركة في عملية شلّ الاقتصاد الإيراني.

وتهدف هذه الحرب الاقتصادية الشاملة التي يتحدث عنها الرئيس كل يوم، إلى فرض الضغوط على الدول الأخرى، وتحديداً الصين وروسيا والهند، التي تواصل المعاملات التجارية مع إيران، وتساعدها أحياناً في تفادي العقوبات الأميركية. وحذر الوزير بيسينت من أن بلاده لا تتحلى “بصبر لا نهاية له”، وستفرض العقوبات على الدول التي تواصل التعاون مع إيران، مشدداً أنه “لا توجد دولة لا تستطيع العقوبات الأميركية أن تطالها”، وكان من اللافت أنه تفادى الإشارة المباشرة إلى الصين، التي تستورد معظم النفط الإيراني.

وهناك شكوك عميقة في أوساط الخبراء في العلاقات الصينية-الأميركية في أن يغامر الرئيس ترامب في التورط في مواجهة مباشرة مع الصين بسبب علاقاتها الوثيقة مع إيران، خلال استقباله في واشنطن للرئيس تشي جين بينغ في الشهر المقبل. ويأمل الرئيس ترامب بتحسين العلاقات مع الصين، وخاصة بعد الآثار السلبية للحرب التجارية الوجيزة (الرسوم الجمركية) بين أكبر اقتصادين في العالم في السنة الماضية.

وطورت الصين نظاماً مالياً تقوم بموجبه بنقل معاملات بيع النفط الإيراني حول العالم بطريقة تسمح لها بتفادي العقوبات الأميركية. إذا لم تترجم واشنطن مواقفها المتصلبة إلى اجراءات عقابية ضد المصارف والشركات في دولة هامة مثل الصين، في سياق هذه الحرب الاقتصادية الشاملة ضد إيران، سوف تبقى تهديداتها في سياق الصخب والعنف اللفظي. ولإيران خبرة طويلة في مواجهة وتحييد مئات العقوبات الأميركية التي تطال جميع معالم الاقتصاد الإيراني، والتي ساهم في فرضها جميع الرؤساء الأميركيين الذين تعاقبوا على السلطة منذ الثورة الإيرانية في 1979.

ومنذ بدء الحرب ضد إيران في أواخر فبراير/شباط، فرضت واشنطن العقوبات على شاحنات نفط صينية وغيرها من البنى التحتية في الصين، ومع ذلك لم تتوقف الصين عن استيراد النفط الإيراني بأسعار مخفضة. وعلى الرغم من أن حصار الموانئ الإيرانية قد خفف من حجم صادرات النفط، استطاعت الصين استيراد أكثر من 500 ألف برميل في اليوم خلال الشهر الجاري. وتعتمد إيران والصين على نظام معقد يتطلب استخدام نقل النفط من ناقلة إلى ناقلة أخرى، أي تحويل النفط من الناقلات الخاضعة للعقوبات الأميركية إلى ناقلات غير خاضعة للعقوبات التي تقوم بدورها بإيصال النفط إلى الصين. وللتهرب من بعض العقوبات الأميركية تلجأ إيران إلى استخدام العملة الصينية للإفلات من العقوبات.

حتى الآن، تستمر العقوبات الأميركية ضد الكيانات والشركات وناقلات النفط الصينية وغيرها من الشركات والأفراد في هونغ كونغ، الذين ساهموا في تصدير أجهزة متطورة لتحسين أداء الصواريخ الإيرانية، إلا أن هذه العقوبات محصورة بشركات أو كيانات محدودة، ولم تشمل أي شركات أو مصارف أو كيانات كبيرة تعتمد على النظام المالي العالمي التي تقوده واشنطن معتمدة على الدولار.

وتأمل واشنطن أن تحذو دول أخرى حذو دولة الامارات العربية المتحدة، التي أعلنت الأسبوع الماضي أنها علقت معاملاتها التجارية والمالية المتشعبة مع إيران. وتعلق واشنطن الكثير على دور أبو ظبي في عزل إيران اقتصادياً بسبب أهمية حجم المعاملات المالية والتجارية بين البلدين. وجاء الإعلان الإماراتي مباشرة بعد اتصال هاتفي أجراه الرئيس ترامب مع نظيره رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وسوف يستمر التنسيق الوثيق بين واشنطن وأبو ظبي في الأشهر القادمة.

خلال المفاوضات الأميركية-الإيرانية التي جرت بين سنتي 2014 و2015 في وولاية الرئيس الاسبق باراك أوباما (والتي بدئها المبعوث الأميركي آنذاك وليام بيرنز، سراً في عمان، الدولة التي هدد الرئيس ترامب بقصفها أكثر من مرة إذا لم تفعل ما يريده) والتي أدت إلى الاتفاقية المعروفة باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة ” بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد، أي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة والمانيا.

وقعت إيران الاتفاقية في 2015 للإفلات من العقوبات الاقتصادية الصارمة التي عزلتها ومنعتها من استخدام النظام المالي العالمي (المبني على الدولار)، والتي ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني. توقيع الاتفاقية أدى إلى الغاء بعض العقوبات القاسية التي فرضتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وسمح ذلك بالإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات المجمدة لإيران في المصارف الدولية، والسماح للشركات العالمية بالعودة إلى السوق الإيراني.

وساهمت العقوبات آنذاك بتخفيض صادرات إيران من النفط بأكثر من خمسين بالمئة. وتزامن ذلك مع ارتفاع نسبة انتاج النفط في الولايات المتحدة بحوالي أربعة مليون برميل في اليوم، ما أدى إلى استخدام هذا الفائض الجديد من النفط بدلاً من النفط الإيراني.

ولكن مفتاح نجاح إدارة الرئيس أوباما في إرغام طهران على قبول شروط لتقليص ومراقبة انتاجها من اليورانيوم المخصب، كان في اقناع الدول الكبرى بمن فيها روسيا والصين في المشاركة في عزل إيران اقتصادياً. وإذا لم تشارك الدول التي تساهم في ابقاء الاقتصاد الإيراني على قيد الحياة مثل الصين وروسيا والهند في العقوبات، فإن قدرة طهران على مقاومة العقوبات الأميركية تعني أن نجاح هذه الحرب الاقتصادية الأميركية، سوف يتطلب الكثير من الوقت.

ولكن سجل الرئيس ترامب في الحفاظ على علاقات وتحالفات الولايات المتحدة العالمية رديء وسلبي، وأحياناً يصل إلى العداء السافر، بما في ذلك التهديد باستخدام القوة ضد الدول التي كانت تعتبر تقليدياً من أصدقاء وحلفاء واشنطن. وفي الأيام السابقة كان الموضوع الشاغل للأوساط السياسية والاقتصادية في واشنطن، هو الحرب التجارية التي أعلنها ترامب من خلال فرض رسوم جمركية جديدة ضد كندا التي تربطها بالولايات المتحدة أطول حدود برية غير محروسة في العالم، والتي كانت قبل وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض من حلفاء وشركاء الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً. وللمرة الأولى شنت واشنطن حرباً تجارية ضد جارتيها الوحيدتين: كندا والمكسيك.

وهناك قناعة لدى بعض العواصم الأوروبية الهامة أن الرئيس ترامب لن يقدم المساعدة العسكرية لدول حلف الناتو إذا تعرضت لعدوان روسي، وفقاً لبنود حلف الناتو. وللمرة الأولى تقوم دولة أوروبية حليفة مثل الدانمارك بالتحضير لحماية جزيرة غرينلاند، التي تملكها، عسكرياً ضد تهديدات الرئيس ترامب بالاستيلاء عليها.

وساهمت تقلبات ونزوات وتهور الرئيس ترامب وتفرده في اتخاذ القرارات، وتقربه من الزعماء المتسلطين مثل قادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية، إلى غياب ثقة الحلفاء والخصوم معاً، بجدوى وثبات وجدية الوعود والالتزامات الأميركية. وهذا يسرى على كل حلفاء واشنطن من الشرق الأقصى مروراً بالشرق الأوسط إلى الاتحاد الأوروبي. سلوك الرئيس الأميركي يعني أن تفكيكه أو إضعافه لعلاقات واشنطن الدولية، يؤكد أن الحرب الاقتصادية الشاملة ضد إيران، لن تنجح إذا لم تشارك فيها الدول الصناعية في العالم، كما حدث حين تم توقيع الاتفاقية بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد في 2015، والتي انسحب منها الرئيس ترامب في 2018 في قرار أُحادي، أوصله إلى مأزقه الراهن في حرب قرر زمن بدئها، ولكنه لا يعرف أو يقرر تاريخ توقفها.

الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.

هشام ملحم

باحث غير مقيم

التحليلات

انتخابات الفرصة الأخيرة

يشهد الحزب الديموقراطي مخاض سياسي وأيديولوجي أدى إلى بروز فئة تقدمية-يسارية.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

الحرب في إيران تدخل شهرها السادس

لم تحقق الحرب أياً من أهدافها السياسية، لأنها لم تؤد إلى إرغام إيران على الرضوخ للشروط السياسية الأميركية والإسرائيلية.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

هل يواجه ترامب “حرب لا تنتهي” في إيران

يفتقر الرئيس ترامب إلى استراتيجية لإنهاء الحرب وفقاً للمصالح الأميركية، وحتى الآن، لم تحقق الحرب أياً من الأهداف السياسية التي أعلنها ترامب في البداية.

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

في عيدها الـ250، الولايات المتحدة تواجه مأزق تاريخي

تاريخياً، كانت الولايات المتحدة تخرج من كل تجربة صعبة، أكثر اتحاداً وأكثر ثقة بنفسها وبمستقبلها.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

عرض الكل