الحرب في إيران تدخل شهرها السادس
لم تحقق الحرب أياً من أهدافها السياسية، لأنها لم تؤد إلى إرغام إيران على الرضوخ للشروط السياسية الأميركية والإسرائيلية.
استأنفت الولايات المتحدة غاراتها الجوية ضد إيران، بعد أن علقت هجماتها لبضعة أيام رداً على هجوم إيراني صاروخي وصفته واشنطن “بالمفاجئ” ضد قواتها المرابطة في الأردن. ومرة أخرى يعود الرئيس ترامب للتأرجح بين التصعيد اللفظي والعسكري، وبين التأكيد العلني بأن المفاوضات السياسية تحرز التقدم، وهو الأسلوب الذي اعتمده منذ وقف الحرب الجوية الشاملة التي شنها مع إسرائيل ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي.
وأعلنت القيادة المركزية أنها أنجزت صباح الخميس بالتوقيت المحلي، “موجة مكثفة” من الهجمات التي طالت مراكز القيادة، ومرابض الصواريخ ومواقع المسيرات ومنشآت المراقبة، رداً على الهجوم الصاروخي ضد قواتها المرابطة في الأردن.
ومع دخول النزاع مع إيران شهره السادس، امتدت نيرانه لتطال دول وأطراف لم تكن معنية به مباشرة عند اندلاعه. وللمرة الأولى شنت الولايات المتحدة والسعودية غارات جوية ضد الميليشيات العراقية الموالية لإيران، والمعروفة باسم “قوات الحشد الشعبي”، بعد أن اتهمت واشنطن، إيران بمهاجمة القوات الأميركية والبنية التحتية النفطية في السعودية”.
وإضافة إلى إطلاق الصواريخ الباليستية ضد العسكريين الأميركيين في الأردن، وسعّت إيران من رقعة النزاع، واستهدفت للمرة الأولى بالمسيرات ناقلات نفط أميركية كانت ترسو في مرفأ في مصر. ومنذ انهيار وقف إطلاق النار بعد توقيع “مذكرة التفاهم” بين واشنطن وطهران، قامت القوى الإقليمية الموالية لطهران بفتح جبهات جديدة، أو إعادة فتح جبهات قديمة، “لإسناد” إيران، مثل استئناف القوات الحوثية في اليمن عرقلة الملاحة في البحر الأحمر، خاصة مهاجمة أو تهديد ناقلات النفط السعودية ومنعها من عبور باب المندب في طريقها إلى الاسواق في شرق آسيا. وبينما علقت إيران هجماتها ضد دول الخليج العربية (مؤقتا)، صعدت مع ميلشياتها الإقليمية في لبنان والعراق من الهجمات ضد السعودية والأردن.
ولكن التطور المفاجئ كان إعلان أوكرانيا عن مهاجمة خط الإمدادات العسكرية بين إيران وروسيا عبر بحر قزوين، مستخدمة مسيرات متطورة وبعيدة المدى، فيما يمكن اعتباره جبهة جديدة في حربين متداخلتين سياسياً وإن كانتا بعيدتين جغرافياً. الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي أعلن مسؤوليته عن الهجمات التي شملت عدداً من السفن التي كانت تحمل شحنات عسكرية من إيران إلى روسيا.
وكانت أوكرانيا قد شنت هجمات بالمسيرات ضد أهداف روسية في بحر قزوين، بما في ذلك حقول نفط وزوارق للصواريخ وسفينة حربية، إضافة إلى السفن التي تحمل المسيرات الإيرانية لروسيا. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي انتقد الرئيس زيلينسكي لأن الهجمات أدت إلى مقتل بحار إيراني في سفينة تجارية. واتصل عراقجي بروسيا وبقادة الاتحاد الأوروبي مهدداً بالرد على الغارات الأوكرانية. وقربّت هذه الهجمات إيران وأوكرانيا من التورط في مواجهة مباشرة.
ومنذ بداية الحرب الجوية الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، وتوقف الملاحة عبر مضيق هرمز، زاد اعتماد إيران على بحر قزوين لتعزيز علاقاتها العسكرية مع روسيا. حيث يكمل البلدين بعضهما البعض في حربين لا يبدو أن لهما نهاية في المستقبل المنظور. وإضافة إلى المرافئ الروسية، يوفر بحر قزوين طريقاً إيرانياً إلى أسواق آسيا الوسطى لا تستطيع الولايات المتحدة عرقلته.
وإضافة إلى عرقلة الشراكة العسكرية بين طهران وموسكو عبر وضع بحر قزوين، الذي يبعد أكثر من 400 ميلاً عن حدود أوكرانيا، ضمن أهداف المسيرات بعيدة المدى التي طورتها كييف مؤخراً، من المتوقع أن تؤدي الهجمات الأوكرانية ضد إيران في بحر قزوين إلى زيادة الدعم الأميركي العسكري الذي يأمل الرئيس زيلينسكي الحصول عليه، بما فيه الحصول على صواريخ مضادة للصواريخ من طراز باتريوت، والحصول على رخص لتصنيع هذا السلاح الفعال.
وقبل استئناف الغارات الأميركية ضد إيران، ناقش الرئيس ترامب مع رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، في اجتماع مغلق في البيت الأبيض، الذي دخله نتنياهو من باب خلفي، الخيارات المتوفرة لإنهاء النزاع مع إيران عبر الوسائل الديبلوماسية، أو الضغوط الاقتصادية بما فيها تشديد محاصرة المرافئ الإيرانية، أو تجديد وتكثيف الهجمات العسكرية، وما هي فترة تنفيذ أي من هذه الخيارات وثمنها. ادعى نتنياهو أن الاجتماع هو الأفضل مع الرئيس ترامب، بينما أعلن البيت الأبيض أن اجتماعات ترامب مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي ومع نتنياهو كانا جيدين وبنائين.
وتجددت الاشتباكات الأميركية-الإيرانية، في الوقت الذي توسعت فيه رقعة الحرب مع مشاركة السعودية في الهجوم على قوات الحشد الشعبي في العراق، في تطور جديد أنهى التردد السعودي في المشاركة المباشرة في الحرب، واستهداف الناقلات الأميركية في مصر، والتوتر الجديد بين إيران وأوكرانيا.
ووفقاً لتقارير صحفية عديدة في الأسابيع الماضية يشعر الرئيس بإحباط كبير لأنه غير قادر على إنهاء الحرب التي بدئها مع نتنياهو، الذي ساهم في اقناعه أنها لن تستغرق أكثر من أربعة إلى ستة أسابيع، مع احتمال توسع رقعة القتال في الوقت الذي يسعى فيه ترامب إلى حل لحرب تعارضها أكثرية من الأميركيين، وتسببت في ارتفاع نسبة التضخم بعد أقل من مئة يوم من موعد الانتخابات النصفية في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني. استئناف القصف المكثف لا يضمن رضوخ نظام متشدد أثبت قدرته على تحمل الوجع، ولو اقتضى الأمر بالتضحية بمستقبل الإيرانيين، والانسحاب من الحرب دون تحقيق أي مكسب سياسي صعب للغاية، إن لم يكن مستحيلاً.
ووفقا لاستطلاع للرأي أجرته وكالة الأنباء رويترز أن ثلث الأميركيين فقط يدعمون الحرب، مقابل ثلثين يعارضونها، وأن الأكثرية الساحقة من المواطنين يقولون أن الرئيس ترامب أخفق في شرح أهدافه. وجاء في استطلاع أجرته جامعة كوينيكياب (Quinnipiac) أن 34 بالمئة من الأميركيين يؤيدون الحرب، بينما يعارضها ستين في المئة. وبينما تعارض أكثرية الناخبين الديموقراطيين (89 بالمئة) والناخبين المستقلين (69 بالمئة) الحرب، يؤيدها 74 بالمئة من الناخبين الجمهوريين. ويبين الاستطلاع أن أكثرية الأميركيين يتوقعون أن تطول فترة الحرب إلى سنة أو أكثر.
تبجح الرئيس ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث أن الحرب أدت إلى التخلص من الصف الأول في القيادة الإيرانية الدينية والسياسية والعسكرية، لا يخفي حقيقة أنه يواجه الآن عدوا عنيداً، يتصرف وكأنه غير مستعجل لإنهاء نزاع كلفه الكثير بشرياً وعسكرياً ومالياً. ويقول الخبراء في الشؤون الإيرانية أن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، متشدداً أكثر من والده على خامنئي الذي قتل في اليوم الأول للحرب بواسطة طائرات إسرائيلية واستناداً إلى استخبارات أميركية، وأن القيادة الحالية للحرس الثوري هي الأكثر نفوذاً بين أجنحة النظام الإيراني المختلفة، وأنها بعكس القيادة السابقة، لا تتردد في المجازفة في مواجهتها مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
يواجه الرئيس ترامب خيارات صعبة، إن لم نقل مستحيلة، في إنهاء حرب، حدد موعد بدئها، ولكنه عاجز عن تحديد تاريخ إنهائها. يفاخر الرئيس ترامب في كل مناسبة بأن القوات الاميركية هي الأفضل في العالم، وهذا صحيح، ولكن هذه القوات اكتشفت محدوديتها في فيتنام وأفغانستان والعراق. ويلتقى معظم الخبراء العسكريين على القول أن الحرب الجوية لا تحقق لوحدها الانتصار العسكري الكامل، ما يؤكد صحة مقولة القائد العسكري البروسي في القرن التاسع عشر هيلموت فون مولتكي، “لا تبقى أي خطة عسكرية صالحة بعد الاحتكاك مع العدو”.
يكرر الرئيس ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث القول أن القوات الأميركية أغرقت كامل البحرية الإيرانية، ودمرت سلاحها الجوي، وألحقت بصواريخها ومسيراتها أضراراً كبيرة، وهذا صحيح إلى حد كبير، ولكن التاريخ يبين أن الإمبراطوريات القديمة والدول الجديدة لا تشن الحروب لتحقيق أهداف عسكرية، بل لتحقيق أهداف سياسية وفقاً لما قاله المنظر العسكري البروسي كارل فون كلوزفيتز، “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. وفقاً لهذا التعريف، لم تحقق الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران أياً من أهدافها السياسية، لأنها لم تؤد إلى إرغام إيران على الرضوخ للشروط السياسية الأميركية والإسرائيلية.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.