خطاب ترامب الطويل يركز على الاستعراض أكثر من السياسات
يستخدم الرؤساء الأميركيين خطاب حالة الاتحاد ليشرحوا لأعضاء الكونغرس وللناخبين رؤاهم للمستقبل.
رسم الرئيس دونالد ترامب في أطول خطاب حول “حالة الاتحاد” في تاريخ الجمهورية الأميركية، صورة متخيلة ومبسطة تنضح بالمبالغات والأضاليل، لا تراها أكثرية الشعب وفقاً لمعظم استطلاعات الرأي، التي أجرتها كبريات الصحف وشبكات التلفزيون في الأسابيع الأخيرة، حيث أعرب الناخبون وخاصة المستقلون والديموقراطيون، عن خيبتهم ازاء أداء ترامب الاقتصادي في السنة الأولى من ولايته الثانية.
وعلى مدى حوالي ساعتين غالى ترامب في إنجازاته الاقتصادية، وادعى أن الرسوم الجمركية التي فرضها على معظم دول العالم أرغمت الدول والشركات التي تصدر منتجاتها إلى الولايات المتحدة على دفع مبالغ كبيرة للخزينة الأميركية، متجاهلاً ما يقوله معظم الخبراء من أن المستهلك الأميركي هو الذي يدفع هذه الرسوم، التي تعتبر بمثابة ضرائب غير مباشرة.
يستخدم الرؤساء الأميركيين خطاب حالة الاتحاد ليشرحوا لأعضاء الكونغرس وللناخبين رؤاهم للمستقبل، وضرورة الموافقة على خططهم وبرامجهم، ودعم المرشحين عن الحزب في السنوات التي تجري فيها الانتخابات النصفية، كما هو الحال في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ولكن ترامب لم يفعل ذلك، وتصرف وكأنه ضمن ازدهار الاقتصاد عبر الرسوم الجمركية – التي أقرت المحكمة العليا في الأسبوع الماضي أن معظمها باطل وغير شرعي، لأنها لم تحظ بموافقة الكونغرس – وأنه استعاد “هيبة” الولايات المتحدة في العالم بسبب استخدامه للقوة العسكرية في الشرق الأوسط وفي أفريقيا، وأخيراً، الغارة التي شنتها القوات الأميركية في كاراكاس، فنزويلا، وأدت إلى اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو.
وفي غياب المقترحات والخطط التي تساعد الناخب الأميركي في خطابه، لجأ ترامب للتعويض عن غياب المضمون إلى استخدام الإشارات الرمزية، والتي وصفها البعض بالمسرحية، واستغلال الاعتبارات والمشاعر الوطنية لإرضاء قاعدته، وفعل ذلك كمدير لبرنامج منوعات تلفزيوني. وهكذا فاجأ ترامب الجمهور حين استقبل خلال خطابه أعضاء فريق الهوكي، الذي فاز بالميدالية الذهبية للمرة الأولى منذ 46 سنة في ايطاليا، خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، وسلم حارس مرمى الفريق الميدالية الرئاسية للحرية، وهي أعلى ميدالية مدنية في الولايات المتحدة.
وتبع ذلك تقديم ميدالية الشرف لطيار، شارك في الحرب العالمية الثانية، ويبلغ عمره 100 سنة، وقدم ميدالية مماثلة لطيار أصيب بجراح خطيرة خلال الغارة ضد مقر اقامة الرئيس الفنزويلي مادورو. كما قدم ترامب جائزة “القلب الأرجواني” للشجاعة، لعضوين من الحرس الوطني تعرضا لهجوم من لاجئ أفغاني أدى إلى مقتل شابة، وجرح شاب بجراح خطيرة. كما كرّم ترامب مواطنون آخرون قاموا بأعمال شجاعة وأنقذوا حياة مواطنين أخرين. واستغرقت هذه التكريمات التي كانت تتخللها الهتافات باسم الولايات المتحدة والتصفيق حوالي ثلث الخطاب. واستخدم ترامب هذه اللفتات بحرفية بالغة وكأنه عريف للحفل، مستفيداً من خبرته الطويلة كشخصية تلفزيونية. وكان ترامب خلال هذه التكريمات يتحدى الديموقراطيين ويوجه إليهم الإهانات.
ومع أن الخطاب تزامن مع الذكرى الرابعة للغزو الروسي لأوكرانيا، إلا أن ترامب أشار إليها بشكل عابر، مكرراً ما يقوله في كل مناسبة، أن القتال يحصد حوالي 25 ألف جندي شهرياً. وفي الوقت الذي وصلت فيه الحشود العسكرية الأميركية قبالة إيران إلى أعلى مستوياتها منذ الغزو الأميركي للعراق، خصص ترامب ثلاثة دقائق فقط لإيران، دون أن يشرح للأميركيين الأهداف التي يريد أن يحققها من أي ضربة عسكرية توجهها القوات الأميركية البحرية والجوية وحدها، أو بالتعاون مع اسرائيل.
ولكن ترامب أسهب في الحديث عن الحروب الثمانية، التي ادعى أنه أوقفها في سنته الأولى، ومن بينها النزاع بين أرمينيا واذربيجان، والهند وباكستان، ومصر وأثيوبيا، وإيران وإسرائيل، وجمهورية الكونغو الديموقراطية ورواندا، وغيرها، على الرغم من شكوك الخبراء، الذين ينفون نهاية معظم هذه النزاعات، وأن ما حققه ترامب لا يتعدى هدنات مؤقتة. وعلى سبيل المثال، العداء القديم بين باكستان والهند لم يتوقف، كما أن الهند نفت أن يكون ترامب مسؤولاً عن وقف الاشتباكات بين البلدين السنة الماضية، كما أن القتال بين الكونغو ورواندا لم يتوقف، والعداء بين إيران وإسرائيل قد ازداد حدة، ولم ينحسر أبداً.
ومع أن ترامب التزم إلى حد ما بقراءة نص الخطاب كما كتب، الا أنه كان “ينقح” خطابه بتحميل الديموقراطيين، الذي قاطع بعضهم الخطاب، مسؤولية الكارثة الاقتصادية التي ادعى أنه ورثها من سلفه الرئيس جو بايدن. وحفل الخطاب بهجمات شرسة ضد الديموقراطيين في الكونغرس، الذين وصفهم ترامب “بالمجانين”، وبتزوير الانتخابات، واتهمهم بمحاولة تدمير البلاد، وشكك بوطنيتهم.
وعدد ترامب انجازاته في تخفيض معدلات الضرائب – متغافلاً أن من استفاد منها ذوي الرواتب العالية والأثرياء، ولم تخف ادعاءاته بإصلاح الخدمات الصحية، وتخفيض أسعار الأدوية حقيقة أنه حرم ملايين الأميركيين من ذوي الدخل المحدود من هذه الخدمات، كما أن تخفيض ميزانية الخدمات الصحية لعائلات الأطفال من ذوي الدخل المحدود سيلحق الأضرار بالمواطنين الذين لا يملكون ضمانات صحية. وتقدر قيمة تخفيض الخدمات الصحية للمسنين أو المواطنين الذين يحتاجون لخدمات طبية خاصة بحوالي ترليون دولار.
الصورة الزاهية التي رسمها ترامب لاقتصاد أميركي قوي مبني على إبداع الأميركيين، وانخفاض معدلات التضخم، وانحسار نسبة البطالة، لا يشعر بها أكثرية الأميركيين الذين لا يشكون فقط من ارتفاع أسعار احتياجاتهم اليومية، بل من ارتفاع أسعار الطاقة وخاصة الكهرباء، وارتفاع كلفة السكن والجامعات وغيرها. ويتوقع المراقبون والخبراء في الشؤون الانتخابية بقاء مشاعر انعدام اليقين والخيبة من أداء الرئيس ترامب في أوساط الناخبين مع فتح مراكز الاقتراع في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل لانتخاب جميع أعضاء مجلس النواب وثلث اعضاء مجلس الشيوخ. وإذا نجح الديموقراطيون في استعادة السيطرة على مجلس النواب، فان ذلك سيعزز من قدراتهم التشريعية على تحدي قرارات وسياسات ترامب وربما وقفها، وهذا أكثر ما يخشاه ترامب.
خيم التوتر العسكري مع إيران على خطاب حالة الاتحاد، ولكن ترامب لم يقدم الايضاحات التي كان يتوقعها الكثيرون، وخاصة في أعقاب التقارير الصحفية التي تحدثت عن تحفظ رئيس هيئة الأركان العسكرية الجنرال دان كين على توجيه ضربة عسكرية كبيرة لإيران، لأسباب عسكرية ولوجيستية عديدة. ومع أن ترامب نفى صحة هذه التقارير الصحفية، إلا أنه لا يوجد حماس كبير في الأوساط العسكرية لتورط الولايات المتحدة مرة أخرى في حرب ولو محدودة في الشرق الأوسط.
واختار ترامب أن يكرر تصريحاته السابقة عن خطورة النظام الإيراني الذي يواصل “طموحاته الشريرة”، مؤكداً عودة طهران إلى محاولة بناء برنامجها النووي الذي هاجمته القاذفات الأميركية في يونيو/حزيران الماضي. واتهم إيران “بالعمل على تطوير صواريخ قد تصل قريباً إلى الولايات المتحدة.” هذا بالإضافة إلى الصواريخ في ترسانتها الحالية القادرة على ضرب أوروبا والقواعد الأميركية في المنطقة.
وبعد أن أشار إلى أنه يفضل التوصل إلى حل ديبلوماسي للخلاف”، عاد وأكد “أنا لن أسمح للدولة الأولى في العالم الراعية للإرهاب… أن تحصل على السلاح النووي، هذا لن يحدث”. وأشار ترامب إلى استمرار المفاوضات مع إيران “التي ترغب بالتوصل إلى اتفاق، ولكننا لم نسمع الكلمات السرية التالية: لن نطور أبداً سلاحاً نووياً”. ولكن هذا الموقف يتعارض مع تأكيدات المسؤولين الإيرانيين منذ زمن أنهم لا يعتزمون بناء الأسلحة النووية.
عدم تطرق ترامب بالتفصيل إلى التوتر مع إيران قد يكون له أكثر من تفسير، مثل استمرار المفاوضات، أو أن ترامب لم يتخذ قراره النهائي باللجوء إلى الخيار العسكري، أو أن خطاب حالة الاتحاد يخصص عادة للقضايا الداخلية. ولكن مختلف التحركات العسكرية الأميركية تشير بوضوح إلى أن ترامب، الذي ازدادت ثقته بالقدرات العسكرية التي تملكها الولايات المتحدة عقب الغارات ضد إيران وفنزويلا، يميل إلى توجيه ضربة موجعة لإيران تؤدي إلى الإطاحة بالنظام الإسلامي، على الرغم من إصراره على عدم استخدام القوات البرية، للسيطرة على ما سيحدث في “اليوم التالي” في حال سقوط النظام أو مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي.
ما هو مؤكد أن ترامب، المعروف بانتقاداته القديمة “للحروب التي لا نهاية لها” في الشرق الأوسط، لا يعتزم استخدام القوات البرية، كما يتبين من طبيعة القوات البحرية والجوية المنتشرة حول إيران.
وليس من الواضح ما إذا كان ترامب يمكن إن يقبل بوقف مؤقت لتخصيب اليورانيوم في إيران، أو نقل ما لديها من يورانيوم مخصب إلى روسيا، أو تخصيب اليورانيوم بمعدلات لا تسمح بتصنيع قنبلة نووية، أم أنه سيصر، كما تريد إسرائيل، على صفقة تشمل البرنامج النووي، بالإضافة إلى تقليص للترسانة الصاروخية، ووقف المساعدات لحلفائها في المنطقة، مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان.
المسؤولون الأميركيون في السابق ألمحوا إلى أن واشنطن يمكن أن تقبل باتفاق نووي يسمح لترامب بالادعاء أنه حصل على ما يريده من إيران، دون إلتزام إيراني واضح حول الصواريخ أو مساعدة حلفاء طهران في المنطقة. ويرى بعض المحللين أن مثل هذا الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران، يمكن أن يتم، وأن تعطي الولايات المتحدة إسرائيل الضوء الأخضر لتوجيه ضربات عسكرية ضد الصواريخ الإيرانية، وشن حملة عسكرية برية ضد حزب الله في لبنان.
ما هو مؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها إبقاء حاملتي طائرات في البحر المتوسط وفي بحر العرب مع السفن والغواصات التي ترافق هذه الحاملات تقليدياً لوقت طويل، كما أن الحشود الجوية وصلت إلى نشر 150 طائرة حربية، وفقا لصحيفة واشنطن بوست – مقاتلات وقاذفات وطائرات تزويد الوقود في الجو – في قواعد جوية في أوروبا وفي عدد من الدول العربية وإسرائيل. ويصل عدد الطائرات التي تستخدمها الحاملات عادة إلى ثمانين طائرة. وهذا يعني أن الحشود الموجودة حول إيران، او القادرة على الوصول إلى الأجواء الإيرانية من مطارات بعيدة، قادرة على توجيه هجمات جوية لأكثر من بضعة أيام.
المناخ السياسي الراهن في واشنطن، مماثل إلى حد كبير المناخ الذي ساد العاصمة الأميركية عشية غزو العراق. السؤال هو إذا حدثت حرب جوية محدودة بين الولايات المتحدة – مع أو دون إسرائيل – وإيران، هل ستكون النتائج كارثية، كما حدث في العراق، أم ستسعى حكومة ترامب إلى إعلان الانتصار، وسحب معظم قواتها من المنطقة بعد تدمير المنشآت العسكرية والنووية في إيران، بغض النظر عن التداعيات السياسية السلبية في “اليوم التالي”.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.