ترامب بين شبح أبستين وقاعدته
بين المشاكل الداخلية والانقسام الجمهوري، هل يخسر ترامب قاعدته الشعبية التي أبقته في الصدارة؟
يجد الرئيس دونالد ترامب نفسه مع نهاية سنته الأولى في البيت الأبيض محاصراً وفي موقع دفاعي بسبب علاقته القديمة والمتشعبة بالمستثمر المالي جيفري أبستين، المتهم بالاعتداء على القاصرات، والذي قيل إنه انتحر في سجنه قبل ست سنوات، واستمرار معدلات التضخم، واستمرار توسع الهوة الاقتصادية بين طبقات المجتمع الأميركي، وذلك على خلفية انحسار شعبيته، ليس فقط في أوساط الناخبين الديموقراطيين والمستقلين، بل في أوساط قاعدته الشعبية المتشددة، التي ترى فيه المخلص الوحيد لمكانة ونفوذ وازدهار الولايات المتحدة. بعض رموز هذه القاعدة، والمؤثرين فيها، بدأوا ينتقدون ترامب علناً لمعارضته الأولية للكشف عن مضمون الملفات القضائية الحكومية حول جرائم أبستين، إضافة إلى انتقاد سياسات ترامب المتعلقة بالرسوم الجمركية، وازدياد كلفة العناية الصحية، وخاصة لذوي الدخل المحدود.
تصرف الرئيس ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، وكأنه يتمتع بانتداب شعبي، ويملك صلاحيات رئاسية تعطيه سلطات شبه مطلقة. وسارع ترامب عبر قراراته التنفيذية العديدة إلى فرض ارادته على المؤسسات السياسية بما في ذلك تحييد الكونغرس الذي ينتمي إلى حزبه، والتشدد في تنفيذ قوانين الهجرة وترحيل مئات الآلاف من المهاجرين، بعد حرمانهم من أبسط الحقوق المدنية والقانونية. وساهمت رسومه الجمركية في إثارة حرب تجارية دولية، دون التفريق بين الخصوم والحلفاء، وتبني الحجج والمواقف الروسية في الحرب ضد أوكرانيا، الأمر الذي أوصله إلى انتقاد وتأنيب الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي علناً في البيت الأبيض. قبل نهاية السنة هاجمت القوات الأميركية أهدافاً في إيران وسوريا واليمن ونيجيريا وقرب سواحل فنزويلا. داخلياً، أدى تدخل ترامب الفظ وغير القانوني في ترهيب وسائل الاعلام إلى ردود فعل شعبية سلبية للغاية، كما عاقب كبريات الجامعات الأميركية إذا لم تنفذ ما يريده، وهاجم القضاء الأميركي المستقل حين حاول ردعه، ما عزز الانطباع عنه بأنه حاكم متسلط لا يؤمن بتساوي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
ولكن انشغال ترامب بالقضايا الخارجية على حساب معالجة غلاء المعيشة، والمضاعفات السلبية الأولية للرسوم الجمركية على المستهلك الأميركي، والتخلي عن وعده خلال المعركة الانتخابية في الكشف عن ملفات جيفري أبستين، ثم هجماته القاسية على الجمهوريين في الكونغرس لوقوفهم مع الديموقراطيين بشأن الكشف الكامل عن السجل الإجرامي لأبستين وغيره من المشاهير والأثرياء، الذين يعتقد أن بعضهم شارك في جرائم أبستين، إلى تعرض ترامب للانتقادات والشكوك من قبل بعض حلفائه القدامى في الكونغرس وخارجه. ولا تزال القاعدة الشعبية لترامب، التي تدرك عمق التناقضات الذي استخدمها الرئيس لوصف علاقته المريبة بأبستين، تُصر على الكشف الكامل عن محتويات ملفات المستثمر المالي.
وأثبتت ملفات أبستين التي كشفت عنها وزارة العدل، أن رواية ترامب عن صداقته القديمة بأبستين حافلة بالأكاذيب والتستر على الحقيقة. وعلى سبيل المثال نفى ترامب في بداية السنة أن يكون قد سافر على طائرة أبستين، ولكن الوثائق أثبتت أنه فعل ذلك ثماني مرات على الأقل. وإحدى هذه الرحلات شملت أبستين وترامب وحدهما برفقة شابة لا يزيد عمرها عن عشرين سنة. وكان المسؤولون في إدارة ترامب قد أكدوا مراراً أنه لا يوجد هناك قائمة بأسماء الأشخاص المتورطين مع أبستين، ولكن الوثائق الجديدة تشير إلى عشرة متواطئين لم يكشف عن أسمائهم.
حتى الآن، لم يتم الكشف عن أي وثائق، أو شهادات من المعنيين بانتهاكات أبستين، تُبين أن ترامب كان متورطاً في جرائم أبستين، على الرغم من أن العلاقات بينهما كانت منحصرة بالنساء والجنس، وميل الرجلين إلى معاشرة الشابات. وفي السابق واجه ترامب عشرات التهم من نساء قالوا فيها أنه تحرش بهن، أو حتى اغتصبهن. ولكن، حتى في غياب الأدلة الدامغة حول تورط ترامب في جرائم أبستين، إلا أن ما كشف عن العلاقة التي كانت حميمة بينهما لحوالي خمسة عشرة عاماً، قد أحرج ترامب وأرغمه على الدفاع عن نفسه وعن مواقفه القديمة وثنائه الشخصي على أبستين، في الوقت الذي يسعى فيه ترامب إلى تنفيذ سياساته الجذرية لوقف لهجرة من “العالم الجنوبي” إلى الولايات المتحدة، والمبالغة بإنجازاته الديبلوماسية التي أوقفت ثمانية حروب على حد قوله، في سعيه العلني للحصول على جائزة نوبل للسلام.
وأظهرت استطلاعات الرأي المختلفة في الأسابيع الماضية، أن قاعدة ترامب الشعبية، لا تزال معه بأكثريتها، ولكن نسبة دعمه قد انحسرت، مع بروز شروخ سياسية واقتصادية وثقافية واضحة في القاعدة برزت إلى العلن بشكل حاد وسافر بين قادة التيارات المختلفة، ودفعت ببعض أعضاء الكونغرس الجمهوريين، وأبرزهم مارجوري تايلور غرين، التي برزت في السنوات الماضية كإحدى أبرز أعضاء مجلس النواب في الدفاع الحماسي عن ترامب، إلى الابتعاد عن الرئيس أو انتقاده علناً. ومع أن ترامب يحاول منذ أن تدهورت علاقاته بأبستين بسنوات إلى إعادة كتابة تاريخ هذه العلاقة، والتخفيف من أهمية صداقته القديمة مع المستثمر المالي، إلا أن شبح أبستين لا يزال يقض مضجعه من الغيب.
واضافة إلى الخلاف حول أبستين، هناك انقسام في قاعدة ترامب حول فشله في معالجة غلاء المعيشة، كما أن جزءاً هاماً من مؤيدي الرئيس يلومون الرسوم الجمركية التي فرضها على مختلف المستوردات، والتي يراها معظم الخبراء الماليين ومعظم المستهلكين وكأنها ضرائب غير مباشرة.
ووصلت هذه الشروخ إلى القضايا الخارجية، حيث تُبين استطلاعات الرأي، أن ربع الجمهوريين الشباب يؤيدون إسرائيل، بينما ينظر إليها سلبياً أكثر من خمسين بالمئة منهم. وساهمت حرب إسرائيل ضد سكان غزة، وقتل حوالي سبعين ألف فلسطيني، والدمار الهائل الذي ألحقه الغزو الإسرائيلي بالبنية التحتية والأحياء المدنية، إلى انتقادات قوية من معظم الفئات الاجتماعية الأميركية، وخاصة الشباب والشابات، وهذا يشمل نسبة هامة من اليهود الأميركيين. وكانت مارجوري تايلور غرين أول عضوة من الحزب الجمهوري في الكونغرس تتهم إسرائيل بشن حرب إبادة ضد الفلسطينيين، بينما اتهم النائب الجمهوري توماس ماسي إسرائيل بشن حرب غير متكافئة في غزة. وهناك شخصيات محافظة كانت متحالفة مع ترامب، مثل المعلق تاكر كارلسون ومستشار ترامب السابق ستيف بانون، يعترضون بقوة على دعم إسرائيل ويعارضون التدخل الأميركي العسكري ضد إيران، ويعتبرون ذلك تخلياً عن شعار “أميركا أولا”.
هناك فرق شاسع بين مكانة ترامب في بداية السنة، ومكانته المضطربة في نهايتها. وللمرة الأولى، يجد ترامب نفسه في مواجهة علنية مع حلفاء قدامى ابتعدوا عنه، بمن فيهم أعضاء في الكونغرس، في الوقت الذي يعمل فيه بقوة على منع الديموقراطيين من الفوز بالانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. فوز المرشحين الديموقراطيين في جميع الانتخابات المحلية التي جرت في الأسابيع الماضية، وخاصة حاكمية ولايتي فيرجينيا ونيوجرسي، واستمرار المضاعفات السلبية لملفات أبستين، كلها عوامل ساهمت في تعميق مشاعر القلق في أوساط الجمهوريين، وفي زيادة فرص الديموقراطيين من العودة إلى السيطرة على مجلس النواب على الاقل في الانتخابات النصفية، الأمر الذي سيعطيهم الفرصة على التصدي لتسونامي ترامب.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.