الحرب التي ستغير ملامح الشرق الأوسط
أطلقت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران شرارة حرب إقليمية واسعة تعصف بالاقتصاد العالمي وتعيد تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يحدث أن تحولت حرب بين طرفين أو ثلاثة خلال أيام إلى حرب إقليمية، جذبت إليها دول كبرى لتلعب دوراً مسانداً للأطراف المتنازعة، عبر تزويدها بالأسلحة أو بالمعلومات الاستخباراتية، وأن يمتد مسرحها القتالي من المحيط الهندي إلى شرق المتوسط، وتهديد دول صناعية كبيرة بأزمة اقتصادية خانقة، عبر حرمانها من النفط والغاز الطبيعي، كما هو الحال في الحرب الراهنة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
وخلال أيام قليلة، طالت الحرب عشرين دولة وآلاف الأهداف العسكرية والمدنية في جميع عواصم دول الخليج، مع اصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على مواصلة القتال إلى حين تدمير البرنامج النووي الإيراني والترسانة الإيرانية الضخمة من الصواريخ والمسيرات، ومنع طهران من تمويل وتسليح الميليشيات الموالية لها في المنطقة، بأمل أن تؤدي هذه الضربات إلى اسقاط النظام الإسلامي، الذي يهيمن على دولة كبيرة مبنية على أنقاض وإرث الحضارة الفارسية القديمة، الغنية بتاريخها الفارسي، كما بتاريخها الإسلامي.
مع اقتراب الأسبوع الثاني من الحرب من نهايته، تواصل إسرائيل القتال على جبهتين: إيران ولبنان، حيث لا تفرق الهجمات الإسرائيلية بين المرافق العسكرية أو البنى التحتية الاقتصادية، مثل قصف مخازن النفط في إيران، ومحاولة تدمير الضاحية الجنوبية من بيروت كما دمرت خان يونس في غزة، بعد اقتلاع أكثر من 800 ألف مواطن لبناني، وحولتهم إلى نازحين في وطنهم. وفي الساعات الأولى للهجمات الأميركية المكثفة لإيران، استخدمت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية قديمة، وقصفت مدرسة للفتيات، وقتلت 175 ضحية، بعد أن قامت وزارة الدفاع بالتحقيق في الهجوم.
وخلال التحقيق، ادعى الرئيس ترامب أكثر من مرة أن إيران “بناء على المعلومات المتوفرة لي” هي التي قصفت المدرسة، وأن الصاروخ من طراز توماهوك الذي استخدم في الهجوم، موجود لدى دول عديدة من بينها إيران. والحقيقة هي أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تصنع هذا الصاروخ، والدول التي اشترته هي اليابان والمملكة المتحدة وأستراليا وهولندا.
وبادرت إيران بعد تعرضها للغارات الأميركية-الإسرائيلية الأولى باستهداف القواعد في إسرائيل، وقصف العواصم الخليجية بما فيها المناطق السياحية والفنادق، إضافة إلى البنية التحتية للنفط والغاز، لإرغام هذه الدول على الضغط على واشنطن لوقف غاراتها. وفي خطوة غير مسبوقة، أعلنت إيران عن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي عشرين بالمئة من النفط والغاز الذي يستهلكه العالم، مما دفع بأسعار النفط والغاز والبلاستيك والأسمدة، إلى مستويات لم تختبرها الأسواق العالمية منذ سنوات، وسط تحذيرات من الخبراء، الذي أكدوا أن استمرار الحرب لبضعة أسابيع أو إغراق حاملات نفط في المضيق، سوف تكون له نتائج كارثية على الاقتصاد العالمي.
الدول الأوروبية، الأعضاء في حلف الناتو، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، التي وقفت على الحياد في بداية الحرب، سرعان ما نشرت قواتها البحرية والجوية قرب مناطق القتال بعد اسقاط صواريخ فوق تركيا، العضوة في حلف الناتو، وقبرص. وحفلت وسائل الأعلام بالتقارير عن المساعدات الاستخباراتية التي تقدمها روسيا إلى إيران عن تموضع القوات الأميركية في المنطقة لكي تستهدفها الصواريخ والمسيرات الإيرانية. وكان من اللافت أن إدارة ترامب لم تنتقد روسيا، بل إن المبعوث ستيف ويتكوف قال أن روسيا تنفي هذه الاخبار، “ونحن نقبل نفيها”.
وعلى الرغم من تهديدات الرئيس ترامب بأنه سيوجه ضربات موجعة جداً لإيران في حال تدخلها لوقف الملاحة عبر مضيق هرمز، أطلقت إيران المسيرات التي أصابت ثلاثة سفن في المضيق، ما زاد من مشاعر القلق في الأسواق العالمية، وقرار الدول الصناعية سحب 400 مليون من مخزونها الاحتياطي لمنع أسعار الوقود من الارتفاع. وقررت الولايات المتحدة سحب 172 مليون برميل من احتياطها الاستراتيجي. ويعتقد أن ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع كلفة الحرب وزيادة المعارضة الداخلية للحرب سوف تتضافر لإقناع ترامب بإعلان الانتصار ووقف القتال، ومن هنا قوله في الأيام الأخيرة أن الحرب قد انتهت عملياً، وأنه تم تدمير سلاحي البحرية والجوية ومرابض ومصانع الصواريخ، “ولم يعد هناك عملياً من أهداف لكي نقصفها”. ولكنه يضيف “ولكننا لم ننته بعد”، ثم يعد الرأي العام أن الحرب سوف تنتهي “قريباً”، بينما يهدد المسؤولون الإيرانيون أنهم مستعدون لحرب استنزاف طويلة الأمد لتدمير الاقتصاد الأميركي. وقدرت الحكومة الأميركية كلفة الأيام الستة الأولى للحرب بحوالي 11 مليار دولار.
وتبين المعلومات منذ الحرب العالمية الثانية، أن جميع الرؤساء الأميركيين الذين لجأوا إلى الخيار العسكري وجدوا ارتفاعاً ملحوظاً في شعبيتهم، على الأقل في بداية العمليات العسكرية، فيما يسمى بظاهرة “الالتفاف حول العلم”. وعلى سبيل المثال ارتفعت شعبية الرئيس جورج بوش الأب من 46 بالمئة إلى 82 بالمئة بعد حرب تحرير الكويت في 1991. أما شعبية الرئيس جورج بوش الابن، فقد وصلت شعبيته إلى مستوى غير معهود (90 بالمئة) بعد هجمات سبتمبر/أيلول الارهابية في 2001، ووصلت إلى 76 بالمئة عند بدء غزو العراق في 2003. وهذا ما اختبره الرئيس رونالد ريغان بعد غزو غرينادا، وبعد تدخل الرئيس بيل كلينتون في نزاع كوسوفو.
الاستثناء الوحيد هو الرئيس دونالد ترامب في الحرب التي شنها مع إسرائيل ضد إيران، حيث تبين استطلاعات الرأي المختلفة أن 40 بالمئة من الأميركيين يؤيدون الحرب، بينما يعارضها 53 بالمئة. ووصلت الخلافات حول الحرب إلى القاعدة الجمهورية المتشددة لترامب، التي لا تزال تذكر وعوده العديدة بعدم توريط الولايات المتحدة “في حروب لا نهاية لها”. وتواجه حرب ترامب ضد إيران معارضة قوية من قبل الناخبين المستقلين. ويعتقد أنه لو انتهت الحرب قريباً، كما يقول ترامب، فإن أثارها المالية والسياسية سوف تبقى في الذاكرة الجماعية للناخبين في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، موعد الانتخابات النصفية، حيث يتوقع الديموقراطيون اختراقات تؤدي بهم للسيطرة على مجلس النواب، وإن بقيت فرصهم بالسيطرة على مجلس الشيوخ صعبة.
أظهرت نتائج الغارات الجوية الأميركية التي ضربت آلاف الأهداف العسكرية في إيران، مستوى التقدم العسكري والتقني واللوجستي للقوات الأميركية، ودقة التنسيق العملياتي بين القوات الجوية والبحرية في مسرح قتال واسع، مع أن الحرب كشفت أيضاً أكثر من خلل استخباراتي، مثل الخلل الذي أدى إلى كارثة قصف مدرسة الفتيات الإيرانيات، وكذلك المفاجأة التي شعر بها المخططين العسكريين عندما اكتشفوا مدى دقة المسيرات الإيرانية، وقدرت القيادة الإيرانية على اطلاق هذه المسيرات في وقت واحد، وضد أكثر من هدف.
ولكن مقابل المهنية العسكرية والأداء المتفوق، واللغة المباشرة والموضوعية التي تتميز بها تصريحات القادة العسكريين، هناك في المقابل حقيقة محرجة اكتشفها الأميركيون منذ اليوم الأول للحرب، وهي غياب الأهداف السياسية الواضحة التي يفترض أن تحققها أقوى آلة عسكرية في التاريخ. ومع اقتراب الأسبوع الثاني للقتال من نهايته، أخفق الرئيس ترامب ووزيري الدفاع والخارجية في تحديد أو صياغة الهدف السياسي النهائي الذي تريد أن تحققه إدارة ترامب فيما يسمى “اليوم التالي” في إيران، أي بعد توقف القتال. واتسمت تصريحات ترامب ووزير الدفاع هيغست بالتحديد بلهجة انتصارية فظة، استخفت حتى بحلفاء واشنطن التقليديين. ويرى العديد من المحللين العسكريين أن هذه الضبابية السياسية التي نتج عنها إعطاء الرئيس ترامب والوزيرين بيت هيغست وماركو روبيو لأهداف سياسية مختلفة ومتناقضة وعرضة لتغييرات شبه يومية لتبرير الحرب ومدى استمرارها، يعني أن العمليات العسكرية الفعالة تجري في فراغ استراتيجي.
في اليوم الأول للحرب، قال وزير الدفاع هيغست أن هدف الغارات هو تدمير الترسانة العسكرية الإيرانية بما فيها الصواريخ والمسيرات وسلاحي البحرية والجوية، وليس تغيير النظام في طهران، أو التورط في نزاع بري. لاحقاً، أعطى وزير الخارجية ماركو روبيو تبريراً لافتاً للحرب حين ادعى أن توقيت بدء الغارات الأميركية الاستباقية قد اتخذ بعد أن تبين لواشنطن أن إسرائيل تحضر لضرب إيران، وأن الرد الإيراني المتوقع سوف يشمل القوات والقواعد الأميركية في المنطقة. واعتبر معارضو الحرب أن إسرائيل أقنعت ترامب بالقيام بهجوم مشترك.
وشعر الرئيس ترامب بارتياح كبير إزاء الهجمات الأميركية، الأمر الذي شجعه على تصعيد مطالبه السياسية التعجيزية، بل المستحيلة، مثل اصراره على المشاركة شخصياً في اختيار القيادة الإيرانية البديلة، ورفضه المسبق لاحتمال اختيار مجتبى خامنئي، النجل الثاني للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قتلته الغارات الأميركية في بداية الحرب، خلفاً لوالده. ووصلت لغة ترامب الانتصارية، إلى حد القول – في مداخلة على موقعه تروث سوشال كما هي عادته – أن الحرب لن تتوقف إلا “بعد رضوخ إيران إلى الاستسلام غير المشروط”.
ويعود إصدار ترامب لهذه المطالب الخيالية إلى النجاح العسكري الذي حققته القوات الأميركية، مثل قصف المفاعلات النووية الإيرانية في الصيف الماضي، وتدمير الزوارق المحملة بالمخدرات في بحر الكاريبي، وقصف سوريا ونيجيريا، وأخيراً اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من غرفة نومه في العاصمة كراكاس، وكلها عمليات عسكرية لم تتكبد فيها واشنطن أي خسائر. هذه النجاحات التكتيكية جعلت الرئيس الأميركي يعتقد أنه قادر على تحقيق جميع أهدافه عبر استخدام هذه القوات. ولذلك لم يكن من المستغرب أن يدعي ترامب أنه يمكن أن يحقق في إيران ما حققه في فنزويلا، دون الأخذ بعين الاعتبار الفروقات السياسية والايديولوجية والثقافية والتاريخية الشاسعة بين البلدين.
وإذا كانت هذه المواقف المتناقضة غير كافية لخلق مشاعر الحيرة في البلاد، يلمح ترامب، وغيره من المسؤولين، إلى احتمال إرسال قوات برية خاصة للقيام بمهام محدودة، مثل العثور على كميات اليورانيوم المخصب، مع أن المعارضة المتنامية للحرب، واحتمال حدوث خسائر بشرية ستمنعه من اتخاذ مثل هذا القرار الكارثي. ما هو مؤكد أنه لا توجد هناك أي أمثلة على الاطاحة بنظم سياسية متجذرة ومستعدة لاستخدام العنف ضد شعبها، عبر الغارات الجوية.
وحتى لو أوقف ترامب الحرب ضد إيران، فان ذلك لا يعني أن إسرائيل سوف توقف هجماتها ضد إيران، أو وقف جهودها للقضاء على حزب الله في لبنان كقوة قتالية. سوف تقوم جميع الدول التي عانت من نيران هذه الحرب بإعادة النظر في علاقاتها الإقليمية والخارجية، وربما أيضا بهياكلها الداخلية، الأمر الذي سيغير من المعطيات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في الشرق الأوسط، وسوف تعمّق من معاناة شعوبها، وتحّول إسرائيل إلى إسبرطة حديثة مهيمنة عسكرياً على منطقة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.