الحرب على إيران بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية
حرب أخرى، تخوضها الولايات المتحدة، تُظهر أن التفوق العسكري لا يكفي لصنع نصر سياسي، وأن كلفة المواجهة قد تتجاوز أهدافها المعلنة.
بعد حوالي أربعين يوماً من الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران، التي أدت إلى مقتل آلاف من المدنيين معظمهم في إيران ولبنان، وتدمير آلاف المواقع العسكرية والمدنية في إيران ودول الخليج العربية ولبنان وإسرائيل، وبعد خلق اضطرابات عميقة في أسواق النفط، عقب إغلاق مضيق هرمز، وبعد التهديدات السافرة للرئيس ترامب بمحو الحضارة الإيرانية بالكامل، وجد الرئيس الأميركي المحبط مخرجاً من الحرب المكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. هذا المخرج وفرته الوساطة الباكستانية، التي أفلحت بإقناع الطرفين قبل تسعين دقيقة من انتهاء فترة الإنذار، الذي أعطاه ترامب لإيران بفتح مضيق هرمز وإلا فإنه سيدمر محطات إنتاج الطاقة والجسور، بقبول اتفاق لوقف إطلاق نار يستمر لأسبوعين، ويبدأ تطبيقه فوراً، وعقد مفاوضات بين ممثلين عن البلدين في إسلام آباد العاصمة الباكستانية، تهدف لتحويل اتفاق إطلاق النار المؤقت إلى اتفاق دائم، ومحاولة حل الخلافات العميقة والقديمة بين البلدين، مثل رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، ومستقبل برنامجها النووي وغيرها من القضايا.
ولكن تطورات اليوم الأول للهدنة المؤقتة، أظهرت بشكل واضح هشاشة الاتفاق، واحتمال انهياره، فقد أطلقت إيران عشرات الصواريخ والمسيرات ضد دولة الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت. وشنت إسرائيل دون إنذار مسبق أكثر من مئة غارة جوية ضد لبنان، على خلفية إصرار باكستان وإيران (ولاحقاً أسبانيا وفرنسا) على أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، الأمر الذي نفته إسرائيل والولايات المتحدة. كما بقي مضيق هرمز – الذي كشفت الحرب للمرة الأولى أهميته كسلاح اقتصادي لم تستخدمه إيران بفعالية من قبل، مغلقاً أمام الملاحة الدولية، احتجاجاً من إيران، لأن إسرائيل لم توقف غاراتها ضد لبنان.
اتخذ الرئيس ترامب قراره بشن الغارات الجوية ضد إيران لتحقيق أكثر من هدف، من بينها إنهاء البرنامج النووي الإيراني، والحصول على أكثر من أربعمائة كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، وتدمير مصانع المسيرات ومنصات الصواريخ، والقضاء على سلاحي البحرية والجو. وفي اليوم الأول، حض ترامب الشعب الإيراني على العمل على إطاحة النظام الإسلامي. وبعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وغيره من كبار القادة السياسيين والعسكريين، لم يخرج النظام الإسلامي من الحرب متماسكاً فحسب، بل أكثر جرأة، كما تبين هجماته الانتقامية ضد دول الخليج العربية، وأكثر تشدداً بقيادة مرشد أعلى جديد هو مجتبى خامئني ابن المرشد علي خامنئي، وهو في منتصف عمره.
ولكن ترامب قبل بوقف إطلاق النار المؤقت بعد أسابيع من محاولة إخراج الولايات المتحدة من حرب مكلفة اقتصادياً ومالياً وسياسياً دون أن يحقق هذه الأهداف بالكامل على الرغم من الأضرار الفادحة التي ألحقتها الغارات بالمرافق والمنشآت العسكرية والمدنية الإيرانية. وكان الرئيس ترامب يقدم بشكل شبه يومي تفسيرات عديدة ومتناقضة لتبرير الحرب، بدءاً من الدعوة إلى تغيير النظام الإسلامي في طهران، ثم التخلي عن هذا الهدف بعد الإعلان عن اختيار مرشد جديد، وتبع ذلك ادعائه أن النظام قد تغير، وأن القادة الحاليين أكثر عقلانية، مع أن القادة الجدد أبقوا على النظام كما هو. ولاحقاً، قال ترامب إن الحرب تهدف إلى التخلص من المنشآت النووية، بعد أن أكد أن هذه المنشآت قد دمرت كلياً في الغارات الأميركية التي شنها في الصيف الماضي. ثم ادعى ترامب أن اليورانيوم المخصب، الضروري لتطوير القنابل النووية، مطمور تحت ركام المنشآت، وليس من السهل الوصول إليه، كما أن الأقمار الاصطناعية الأميركية تراقب هذه المواقع. وكان ترامب قد ادعى، بعد الأسبوع الأول من الغارات، أن الولايات المتحدة قد انتصرت في المواجهة مع إيران، وكرر هذا الادعاء أكثر من مرة، في الوقت الذي كان يقول فيه أيضاً أن الحرب ستستمر بضعة أيام أو أسابيع لضرب جميع الأهداف التي خططت وزارة الدفاع لتدميرها.
هذه التناقضات والضبابية في تفكير الرئيس ترامب، أضعفت الولايات المتحدة، وزادت من عزلتها الدولية، وشجعت الأصوات الداخلية المعارضة للحرب على متابعة وتوسيع هذه المعارضة. كما ساهمت الحرب في تعميق الهوة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين في حلف الناتو، الأمر الذي دفع بالرئيس ترامب إلى التهديد العلني بأنه يفكر جدياً بالانسحاب من الحلف، الذي ضمن السلام في أوروبا لحوالي ثمانين سنة. وكان ترامب خلال ادعاءاته أن بلاده لا تحتاج أو لا تستخدم مضيق هرمز، قد طلب من الحلفاء في أوروبا إرسال أساطيلهم إلى مضيق هرمز والسيطرة عليه، وهو أمر رفضته هذه الدول، لأنها تعتبر الحرب غير شرعية، ولأن الرئيس ترامب لم يستشرها قبل شن الحرب.
احباط الرئيس ترامب هو من بين الأسباب التي دفعته، في الأيام الأخيرة التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار، إلى استخدام الكلمات البذيئة ضد القادة الإيرانيين. وكان ترامب صباح الثلاثاء قد وجه أعنف وأبشع إنذار لإيران حين قال في مداخلة على منصته تروث سوشال، “سوف تموت حضارة بكاملها هذا المساء، ولن تعود للحياة مرة ثانية”.
وعلى الرغم من الصورة الوردية التي رسمها وزير الدفاع بيت هيغسيث للإنجازات العسكرية الأميركية، (وهي ضخمة بالفعل)، والاحصائيات المبالغ فيها حول الخسائر الإيرانية، فإن إيران واصلت قصف جيرانها العرب وإسرائيل حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، كما لا تزال تملك، وفقاً لتقارير الاستخبارات ومراكز الأبحاث، ما بين 30 و50 بالمئة من ترسانتها الصاروخية، واحتياطي هام من المسيرات.
ومع أن مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً للملاحة الدولية قبل القتال، لم يكن من الأسباب التي دفعت بالولايات المتحدة وإسرائيل لشن الحرب، أصبح بعد توقف القتال سلاحاً فعالاً في يد إيران، التي لم تستخدمه في السابق ضد الولايات المتحدة. فقد أثبتت خمسة أسابيع من الحرب، ما لم تثبته خمسة عقود تقريباً من التوتر السياسي والعسكري مع الولايات، أي أن إيران تسيطر، عملياً وأحادياً، على أهم طريق بحري لنقل النفط ومشتقاته، وأن موقعها الجغرافي يعطيها القدرة على استخدام الطاقة كسلاح فعال في الحرب، الأمر الذي يفسر إصرارها على فرض “السيادة” على المضيق، وحقها بفرض الرسوم على السفن التي تعبره، وكأنه ممر بحري ضيق تملك إيران ضفتيه كما هو الحال في قناة السويس أو قناة بنما.
وكان من اللافت أن الرئيس ترامب سوف يسلم بدور أكبر لإيران في استغلال المضيق، بما في ذلك فرض الرسوم على السفن التي تعبره، الأمر الذي ستكون له مضاعفات سلبية على جميع الدول، التي تستخدم المضيق. فقد قال الصحفي جوناثان كارل، من شبكة التلفزيون إيه بي سي، أن ترامب قال له أنه يفكر بالدخول في “مشروع مشترك” مع إيران لفرض الرسوم على السفن، ورأى ترامب أن هذا الأمر يحمي المضيق من خطر الأخرين، ورأى أن مثل هذا الترتيب هو “أمر جميل”.
ومن المتوقع أن تكون ظروف الملاحة عبر المضيق من أبرز وأصعب القضايا التي ستواجه المفاوضين الإيرانيين والأميركيين، الذين سيجتمعون يوم السبت في باكستان، لبدء مفاوضات طويلة ومعقدة وغير مضمونة النتائج. وهكذا حولت إيران الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية، مثل إلغاء البرنامج النووي، وتقليص الترسانة الصاروخية التي تهدد إسرائيل، إلى حرب حول مستقبل الطاقة بعد أن أغلقت المضيق، الذي كانت تمر عبره عشرين بالمئة من النفط والغاز، الذي يستهلكه العالم.
وعلى الرغم من التفوق العسكري للولايات المتحدة وإسرائيل، وقدرتهما على تدمير المرافق العسكرية والمدنية في إيران، فإن النظام الإسلامي لا يزال متماسكاً، ولا يزال قادراً على قصف جيرانه العرب وإسرائيل بالصواريخ والمسيرات، كما لا يزال يملك أكثر من أربعمئة كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بدرجة عالية.
وبالإضافة إلى طلب إيران إلغاء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن، وعززها الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى – وهو طلب وافق ترامب على مناقشته في المفاوضات في باكستان – فإنها ستصر على مطالب جديدة أخرى، سوف تجدها دول الخليج العربية، وغيرها من الدول التي تستورد النفط والغاز من الخليج، تعجيزية، أي حقها بالحصول على التعويضات على الخسائر والدمار التي لحق بها، إضافة إلى القبول بسيطرتها الدائمة على مضيق هرمز، وعلى حقها بفرض الرسوم على السفن التي تعبره.
تعرضت إيران لخسائر عسكرية ومادية واقتصادية فادحة، ولكن النظام الاسلامي لا يزال متماسكاً، ولا يزال قادراً على القتال، كما اكتشف أنه يملك سلاحاً، ربما كان أكثر أهمية من السلاح النووي، أي السيطرة الجغرافية على مضيق هرمز. في المقابل فإن التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي لم يترجم حتى الآن إلى مكاسب سياسية واضحة تبرر الحرب، وخاصة من منظور الرأي العام الأميركي الذي سيزداد استيائه من مضاعفات الحرب في الأشهر القليلة التي تسبق الانتخابات النصفية في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وسوف تخيم مضاعفات هذه الحرب السياسية والاقتصادية على دول الخليج العربية لوقت طويل. قد تستطيع هذه الدول مع مرور الوقت استعادة عافيتها الاقتصادية، وثقة العالم باستقرارها، ولكن الأسئلة المقلقة التي خلقتها الحرب حول طبيعة علاقات هذه الدول مع إيران في المستقبل سوف تزداد إلحاحاً، مع عودة الأسئلة القديمة حول قدرة دول الخليج على تطوير شبكة دفاعية فعّالة، والأهم من ذلك هل ستستمر ثقة هذه الدول بالضمانات الأمنية الأميركية، وما هو موقف هذه الدول من طموحات إسرائيل الإقليمية، التي لعبت دوراً أساسيا في التسبب بحرب أميركية عبثية أخرى في الشرق الأوسط.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.