"*" indicates required fields

This field is for validation purposes and should be left unchanged.

اشترك

عند الاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية المعتمدة لدينا.

Subscription Settings
التحليلات

فجر سياسي جديد في واشنطن

انتصار ديمقراطي واسع يعيد رسم موازين القوى في واشنطن، ويضع ترامب أمام كونغرس يستعد للتحقيق في سياسات إدارته ومصالح عائلته المالية.

المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن السيد، يتحدث خلال فعالية ليلة الانتخابات في ديترويت، فجر الأربعاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026. (صورة أسوشييتد برس/جوليا ديماري نيكنسون)

استفاق الأميركيون صباح الأربعاء على فجر سياسي جديد ومفاجئ حين فاز مرشحو الحزب الديموقراطي في مجلسي النواب والشيوخ، بنسب عالية، ومعظم حاكمية الولايات. وغطت الانتصارات الديموقراطية مختلف الولايات من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي، ومن الشمال إلى الجنوب، ونجح الديموقراطيون في اختراق معاقل الحزب الجمهوري، حيث لم يتم انتخاب عضو ديموقراطي في مجلس الشيوخ خلال عقود وحتى أجيال. وحقق المرشح الديموقراطي لعضوية مجلس الشيوخ القس آدم هاملتون انتصاراً تاريخياً حين أصبح أول مرشح ديموقراطي يمثل ولاية كانساس منذ 94 سنة. وعكست النتائج، أكثر من أي وقت مضى، التنوع الاثني والديني في المجتمع الأميركي، واحتلت المرشحات الديموقراطيات لحاكمية الولايات نجاحات تاريخية، واخترقن الدفاعات الجمهورية في ولايات هامة، مثل تكساس وأوهايو وجورجيا.

أراد الناخبون الأميركيون تحويل الانتخابات إلى استفتاء على سياسات وسلوك ترامب، وإلحاق هزيمة مدوية به وبحزبه الجمهوري، وحوّلوا الانتخابات النصفية إلى إدانة لأداء ترامب في منتصف ولايته، ورفضاً تاريخياً لسياساته الداخلية والخارجية التي أوصلت البلاد إلى أزمة اقتصادية خانقة، وحرباً مفتوحة ومكلفة مع إيران، تسببت بارتفاع  سريع لأسعار الوقود، وتقويض علاقات واشنطن التقليدية مع حلفائها في أوروبا وكندا، بسبب الحرب التجارية التي شنها ضد معظم الدول، بمن فيها الصديقة والحليفة لواشنطن، وشيوع تهم الفساد المالي التي طالت الرئيس وأفراد عائلته وأصدقائه. ووفقاً للوثائق المالية العلنية، وصلت أرباح الرئيس ترامب في السنة الماضية إلى 2.2 مليارين ومئتي مليون دولار، أكثر من نصفها من العملات المشفرة.

وتسابق الخبراء والمحللون على وصف حجم الانتصار الديموقراطي، واستخدام عبارات مثل “الموجة الزرقاء” (في إشارة إلى لون الحزب الديموقراطي) و”التسونامي الأزرق” و”حمام الدم لجمهوري” لوصف السيطرة الكاملة للحزب الديموقراطي على الكونغرس وحاكمية الولايات، والتي تذّكر بالانتصار التاريخي للحزب الديموقراطي في انتخابات 1974 في أعقاب فضيحة ووترغيت، حين عاقب الناخبون الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون.

وحقق المرشحون الديموقراطيون انتصارات لم يتوقعها قادة الحزب، كما لم يتنبأ بها المحللون والخبراء، ما يعني أن هذه الانتخابات، التي تميزت بإقبال شعبي مكثف يفوق الاقبال على مثل هذه الانتخابات تقليدياً، أصبحت معلماً تاريخياً في تاريخ الانتخابات النصفية. ومن المتوقع بعد الفرز النهائي للأصوات أن تتراوح الأكثرية الديموقراطية في مجلس النواب بين 245 و255 عضواً. وارتفع عدد الأعضاء في مجلس الشيوخ إلى 54 عضو من أصل مئة. ولا تزال عملية فرز الأصوات مستمرة في ولايتي ميسيسيبي وآلاسكا، مع تقدم المرشحين الديموقراطيين.

وكان ترامب قد وصل إلى البيت الأبيض قبل سنتين عبر ائتلاف ضم إضافة إلى قاعدته الحزبية شرائح اجتماعية أخرى مثل الأميركيين من أصول لاتينية في ولايات مثل فلوريدا وتكساس، إضافة إلى الشباب، وحتى في أوساط الأميركيين من أصل إفريقي. وأظهرت الانتخابات النصفية بشكل قاطع تخلي الناخبين اللاتينيين عنه واستياء الشباب، لأن ترامب لم يف بأي من وعوده، مثل محاربة التضخم، وعدم التورط في حروب كان يصفها بالحروب التي لا نهاية لها، ولذلك يعتبر تفكك هذا الائتلاف، والانحسار الكبير في شعبية ترامب، وغضب الناخبين من ثرائه المفرط، بداية النهاية لحقبة ترامب.

وتميزت “الليلة التاريخية” بانتخاب مرشحين ديموقراطيين لمناصب لم يحتلونها من قبل، وكسروا الحواجز العنصرية والدينية والجنسية المزمنة. أصبح عبد الرحمن السيد الديموقراطي (ولاية ميشغان) أول سيناتور مسلم في تاريخ مجلس الشيوخ. واُنتخبت كيشا لانس بوتومز الديموقراطية كأول امرأة تفوز بحاكمية ولاية جورجيا، وأول حاكمة من أصول إفريقية. وفي ولاية كاليفورنيا فاز المرشح الديموقراطي خافيير بيسيرا كأول حاكم من أصول لاتينية لإدارة أكبر ولاية في الاتحاد الفيدرالي.

وفي هزيمة كبيرة ومفاجئة للجمهوريين، نجحت الديموقراطية جينا هينوهوسا كأول حاكمة لولاية تكساس من أصول لاتينية، بعد أن فازت بنسبة كبيرة من الأصوات ضد الحاكم الجمهوري غريك آبوت الذي كان يحاول الفوز بحاكمية الولاية للمرة الرابعة.

وللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، فازت المرشحة الديموقراطية ديب هالاند المنحدرة من السكان الاصليين بحاكمية ولاية نيو ميكسيكو. وفاز المرشح الجمهوري بايرون دونالدز المقرب من الرئيس ترامب بحاكمية ولاية فلوريدا، وأصبح أول حاكم من أصول إفريقية يحتل هذا المنصب. وفي ولاية نيوهامبشر انتخب المرشح الديموقراطي كريس باباس لعضوية مجلس الشيوخ، وأصبح أول سيناتور من المثليين.

وفي ولاية مينيسوتا، انتخبت الديموقراطية بيغي فلاناغان لعضوية مجلس الشيوخ، وأصبحت أول أمرة تحتل هذا المقعد من المنحدرين من السكان الأصليين في البلاد. كما فاز في حاكمية ولاية ويسكونسن الديموقراطي دافيد كراولي، وأصبح أول أميركي من أصول افريقية يحتل هذا المنصب. كما انتخب الديموقراطي آرون فورد لحاكمية ولاية نيفادا، وأصبح أول حاكم للولاية من أصول إفريقية أميركية.

وانتخبت الديموقراطية أيمي أكتون، لتصبح أول حاكمة لولاية أوهايو، كما انتخبت الديموقراطية آيمي كلوبوشار كأول امرأة لحاكمية ولاية مينيسوتا، وانتخبت الجمهورية مارشا بلاكبيرن كأول امرأة لحاكمية ولاية تينيسي.

ومن المتوقع أن ينتخب الأعضاء الديموقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، الذي سيصبح في هذه الحالة أول رئيس لمجلس النواب من أصول إفريقية أميركية.

والسؤال الملّح الآن، هو كيف ستكون طبيعة العلاقات بين الكونغرس الديموقراطي والرئيس ترامب الذي قام بتهميش الكونغرس الجمهوري، في السنتين الماضيتين، واعتمد على القرارات التنفيذية لحكم البلاد. ومن المتوقع أن تتميز هذه العلاقة بالتوتر الحاد، لأن الديموقراطيين يصرّون على ممارسة دور الكونغرس في الإشراف على نشاط الحكومة، وخاصة الانفاق المالي.

صلاحيات الأكثرية الجديدة في إصدار مذكرات الاستدعاء، تعني السماح لرؤساء اللجان المختصة باستدعاء أي مسؤول للتحقيق بسلوكه، مثل التحقيق بتهم الثراء غير المشروع والفساد التي طالت الرئيس ترامب وأفراد عائلته وأصدقائه، بسبب تضارب المصالح بين المناصب الرسمية والمصالح الشخصية، والاستثمارات الخفية في الخارج، والتلاعب في سوق العملات المشفرة. وكان ترامب قد هدد باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرارات الكونغرس الجديد.

كما سيواجه ترامب تحديات جدية من الكونغرس، لإنهاء الحرب ضد إيران بعد أن اعترف الرئيس ونائبه جي دي فانس أن ارتفاع الأسعار هو بسبب الحرب. وبما أن مجلس النواب هو المؤسسة التي تقرر الانفاق الحكومي، سوف تحاول الأكثرية الديموقراطية ارغام ترامب على وقف الحرب. وسوف يواجه بعض الوزراء، مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث، ضغوطاً مباشرة لمشاركة أعضاء الكونغرس بالمعلومات حول قراراته الاعتباطية التي يرفض اطلاع الكونغرس عليها، وطرده لعدد من الضباط الكبار دون شرح الأسباب. وهناك محاولات لمحاكمة هيغسيث في مجلس النواب حتى قبل سيطرة الأكثرية الديموقراطية على اللجان المختصة في يناير/كانون الثاني المقبل.

ويؤيد معظم أعضاء الكونغرس من الحزبين استئناف المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا التي يعارضها ترامب، وتشديد المراقبة على تزويد إسرائيل بالأسلحة، لتي يطالب عشرات الأعضاء في مجلس الشيوخ تعليقها، أو على الأقل التحقيق في كيفية استخدامها.

هذه هي معالم المواجهة المتوقعة بين الرئيس ترامب والكونغرس الديموقراطي في السنتين المقبلتين.

الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.