انتخابات الفرصة الأخيرة
يشهد الحزب الديموقراطي مخاض سياسي وأيديولوجي أدى إلى بروز فئة تقدمية-يسارية.
تعتبر الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل مفصلية لمستقبل الحزبين الديموقراطي والجمهوري، مع ازدياد مخاوف الديموقراطيين من لجوء الرئيس ترامب إلى فرض حالة الطوارئ، الأمر الذي لم يستبعده ترامب قبل أيام إذا لم يقبل الكونغرس بمشروعه لتغيير القانون الانتخابي، الذي يعتبره الديموقراطيين، ومعهم الكثير من المحللين، أنه يهدف لحرمان بعض الشرائح الاجتماعية التي تميل إلى الديموقراطيين من حق التصويت. وتسجل استطلاعات الرأي انحسار ثقة الناخبين بالحزبين، وبجدوى المؤسسات السياسية التقليدية، وبمؤسسات المجتمع المدني، مثل الجامعات وغيرها، خاصة في أوساط الناخبين الشباب.
ولم يحدث في تاريخ البلاد أن نجح رئيس في فرض سيطرته الكاملة على حزب أساسي كما فعل الرئيس ترامب في فرض طموحاته ونزواته وتقلباته على الحزب الجمهوري منذ أكثر من عشر سنوات. قرارات وسياسات ترامب الداخلية والخارجية اعتباطية وارتجالية، تسببت بحرب تجارية عالمية نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها على حلفاء وخصوم الولايات المتحدة. واستخدم ترامب في ولايته الثانية الأجهزة الحكومية مثل وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي (الإف بي آي) وغيرها للانتقام من خصومه الداخليين.
هذا التفرد الخطير في صنع القرارات أدى إلى تهور ترامب بشن حرب مشتركة أميركية-إسرائيلية، ضد إيران دون استشارة الكونغرس، أو أياً من حلفاء واشنطن التقليديين الذين شاركوا في حروبها. وبدلاً من حرب قصيرة لا تستغرق أكثر من ستة أسابيع وفقاً للادعاءات عند بداية القتال، لا يزال ترامب المحبط بعد ستة أشهر لم يحقق خلالها أياً من أهدافه المعلنة، يبحث عن مخرج من حرب مكلفة تعارضها أغلبية الأميركيين، حيث يتأرجح دورياً بين إصدار التهديدات وتوجيه الإهانات الفظة للقادة الإيرانيين، لكي يعود ويمدحهم كرجال أذكياء وعقلانيون.
وفي المقابل يشهد الحزب الديموقراطي مخاض سياسي وأيديولوجي أدى إلى بروز فئة تقدمية-يسارية يقودها شباب وشابات من المرشحين الذين فقدوا الثقة بقيادات الحزب التقليدية، التي سمحت بإعادة انتخاب ترامب لولاية ثانية، وتفتقر إلى الشجاعة والرؤية لتحقيق الاصلاحات الجذرية والخلاقة لمنع البلاد من الوقوع كلياً في أيدي أوليغارشية جشعة تشارك الرئيس وحاشيته في احتكار السلطة، كما يبدو من التحالف الذي شكله ترامب مع بعض الأثرياء من رؤساء الشركات العملاقة، التي تزيد ثرواتهم الخاصة عن ميزانيات بعض الدول، وتهدد ما تبقى من الديموقراطية الأميركية. وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية تعاني المؤسسات الأميركية الحكومية، وكذلك مؤسسات المجتمع المدني مثل الجامعات ووسائل الاعلام ومكاتب المحاماة الكبيرة، من الضعف نتيجة لمحاولات إدارة ترامب إلى تحجيمها وخفض ميزانياتها، وفرض شروطه التعجيزية عليها وترهيبها. وللمرة الأولى منذ تأسيس حلف الناتو قبل ثمانين سنة، تجد واشنطن نفسها في عزلة خارجية، وهي تراقب حلفائها وأصدقائها القدامى يبحثون عن بدائل أمنية وتجارية وتقنية كانت واشنطن في السابق تستأثر بها.
أدت الانتخابات الأولية للحزب الديموقراطي في الأشهر الماضية إلى سلسلة من الانتصارات التي حققها المرشحون التقدميون في مختلف الولايات والمدن في سعيهم لإرغام القيادة التقليدية على تبني اصلاحات جذرية، مثل الرعاية الصحية الشاملة والمجانية للجميع، وفرض الضرائب التصاعدية على الشركات والاثرياء، ورفع الحد الادنى للأجور. تعكس هذه الاصلاحات حالة الاحباط والاستياء التي تشعر بها أكثرية الناخبين الأميركيين، والتي تشكل في الحزب الديموقراطي تحدياً مباشراً للقيادة التقليدية التي تحتل وظائفها منذ عقود، وما يسمى بالمرشحين “المعتدلين”، من الباحثين عن الحلول الوسط، بدلاً من إقرار الاصلاحات والتغيير.
ويعتبر الانتصار الذي حققه المرشح الطبيب عبد الرحمن السيد، المنحدر من عائلة مصرية في الحصول على ترشيح الحزب الديموقراطي لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية ميشغان، أبرز انجاز لهذه الحركة لأنه أول مرشح تقدمي يفوز في ولاية كبيرة صوتت لدونالد ترامب في الانتخابات السابقة. وكان لفوزه وقع مماثل لفوز زوهران ممداني، المسلم والمولود في أوغندا لأبويين هنديين، عمدة لمدينة نيويورك، أكبر مدينة في الولايات المتحدة في السنة الماضية. وميشغان معروفة بتنوعها السياسي والاثني والديني، حيث تقطنها أكبر جالية عربية-أميركية، ما يؤكد صحة مقولة قدرة المرشح التقدمي على الفوز في ولاية ليست محسوبة على الديموقراطيين.
رمزياً، كانت المعركة بين عبد الرحمن السيد ومنافسته المعتدلة هايلي ستيفنز التي حصلت على دعم قيادة الحزب الديموقراطي، حول أي تيار سيحدد مستقبل الحزب الديموقراطي، وتميزت بالحدة والقسوة وأصبحت ثالثة أغلي حملة من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة. وبينما أنفق السيد حوالي سبعة ملايين دولار، انفقت حملة ستيفنز أكثر من خمسة وستين مليون دولار، من بينها اثنين وثلاثين مليون دولار تبرعت بها “اللجنة الاسرائيلية للشؤون العامة”، الإيباك، وهي جماعة الضغط التي تدافع عن مصالح إسرائيل. وتحول فوز عبد الرحمن السيد إلى نكسة جذرية ومكلفة للوبي الاسرائيلي. وفي السنوات الماضية أصبحت الحرب في غزة، والتي وصفها عبد الرحمن السيد بحرب إبادة ضد الفلسطينيين، موضوعاً أساسياً في الجدل السياسي في أوساط الطلاب في الجامعات والحد الفاصل بين مؤيدي الحقوق الفلسطينية, وقطع المساعدات العسكرية عن إسرائيل، وبين أنصار إسرائيل داخل الحزب الديموقراطي وبين مرشحيه.
وتبين مختلف استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة أن أكثرية الناخبين تتعاطف مع الفلسطينيين أكثر مما تتعاطف مع الإسرائيليين، وتصل نسبة الناخبين الديموقراطيين الذين ينظرون بسلبية لإسرائيل أكثر من ثمانين بالمئة، بينما يوافق على هذه النظرة واحد وأربعين بالمئة من الناخبين الجمهوريين.
وبينما يتبنى عبد الرحمن السيد معظم المطالب الاصلاحية للتيار التقدمي أو اليساري في الحزب، ويتمتع بتأييد السناتور الاشتراكي الديمقراطي بيرني ساندرز، والنائبة اليسارية أليكساندريا أوكاسيو- كورتيز إلا أنه يؤكد إيمانه بالنظام الرأسمالي إذا تم تطبيقه بطريقة عادلة. ويتمتع عبد الرحمن السيد البالغ من العمر واحد وأربعين سنة، والحاصل على منح أكاديمية عديدة بشخصية كاريزماتية وجذابة، ويتمتع بحصيلة لغوية إنجليزية فائقة، جعلته قادراً على التواصل والوصول إلى الناخبين بوضوح وبثقة. وأكدت حملته أن عوامل مثل الحماس السياسي، والشجاعة الأخلاقية والانجاز الشخصي والوضوح في المواقف، قادرة على التغلب على الصوت العالي والقوى للمال في الانتخابات.
وللتدليل على شراسة المعركة ضد المرشح الجمهوري في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني مايك روجرز، سارع الرئيس ترامب وغيره من الجمهوريين إلى توجيه أبشع التهم لعبد الرحمن السيد لتشويه صورته، مثل ادعاء ترامب وروجرز أن السيد يكره إسرائيل واليهود، وأنه شيوعي، بينما ادعى أخرون أنه يؤيد حركة حماس، ويريد فرض الشريعة الاسلامية، كما حاولوا السخرية من اسمه العربي. وتعكس هذه المواقف ارتفاع مستوى العداء للمسلمين أكثر من أي وقت منذ هجمات سبتمبر/أيلول الارهابية في 2001.
التحدي الذي يواجهه الحزب الديموقراطي للسيطرة على مجلسي الكونغرس في الانتخابات النصفية، ومنع ترامب من مواصلة أضعاف المؤسسات السياسية التي يفترض أن تكون مستقلة مثل الكونغرس أو القضاء، والاستئثار الكامل بالسلطة هو وحلفائه، هو في رأب الصدع الذي تطور في صفوف الديموقراطيين منذ انتخاب ترامب قبل أكثر من عشر سنوات بين التيار المعتدل والتيار التقدمي. وتبين ردود فعل معظم المرشحين المعتدلين الذين خسروا الانتخابات الحزبية لصالح المرشحين التقدميين، واسراعهم إلى دعم خصومهم السابقين، كما حدث في ميشغان وغيرها من الولايات والمدن، أنهم يدركون هذه الحقيقة. وسارع قادة هذين التيارين للتأكيد أن الحزب الديموقراطي لا يزال يشكل خيمة كبيرة يتعايش داخلها مختلف فئات وشرائح الحزب، التي ترى أن استمرار سيطرة ترامب على مجلسي الكونغرس في السنتين المقبلتين ستؤدي إلى تغيير البلاد وقلبها رأسا على عقب، بحيث لن يتعرف الأميركيون على وطنهم بعد الآن.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.