"*" indicates required fields

This field is for validation purposes and should be left unchanged.

اشترك

عند الاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية المعتمدة لدينا.

Subscription Settings
التحليلات

أربع سنوات على الغزو الروسي لأوكرانيا

كشفت الحرب بشكل محرج وسافر محدودية القوة العسكرية الروسية، ما أرغم موسكو على طلب المساعدة العسكرية من كوريا الشمالية وإيران.

هشام ملحم

6 دقائق قراءة

رجل يسير في سوق مدينة مدمرة عقب هجوم روسي على مدينة أوديسا، أوكرانيا، 12 فبراير 2026. (صورة من وكالة أسوشييتد برس/مايكل شتيكل)

مع اقتراب الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي لأوكرانيا، تحولت أول حرب نظامية في القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، إلى حرب خنادق يقاس فيها التقدم بالأمتار، وليس بالأميال، وحصدت مئات الآلاف من الأرواح من الجنود، معظمهم من الروس، ومئات الآلاف الجرحى من المدنيين، معظمهم أوكرانيين، ودمرت البنية التحتية الأوكرانية، وبلغت تكاليفها المادية مئات المليارات من الدولارات، ووصلت تداعياتها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية إلى جميع انحاء العالم. وتحولت الاستراتيجية العسكرية من الهجمات السريعة في بداية الحرب إلى ما يسمى “الخنق البطيء”، من خلال اعتماد الطرفين على المدفعية والمسيرات، في حرب استنزاف مفتوحة ومرشحة للاستمرار لأشهر، إن لم يكن لسنوات. وكشفت الحرب بشكل محرج وسافر محدودية القوة العسكرية الروسية، ما أرغم موسكو على طلب المساعدة العسكرية من كوريا الشمالية وإيران.

وأدى غزو أوكرانيا إلى زعزعت الأمن القومي لدول الاتحاد الأوروبي، وأرغم الاتحاد ومؤسساته إلى تقديم مساعدات عسكرية ومالية إلى أوكرانيا بقيمة 197 مليار دولار، بينما خصصت الولايات المتحدة 175 مليار دولار لمساعدة أوكرانيا. وسوف يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة في الذكرى الرابعة للغزو، لمناقشة وقع الحرب على الشعب الأوكراني، وسوف يقوم مسؤولون بارزون في الاتحاد الأوروبي بزيارة كييف في ذلك اليوم، حيث سيقدمون قرضا بقيمة 107 مليار دولار لأوكرانيا.

هذا القرض يعكس التطورات الجذرية والسلبية التي طرأت على علاقة دول الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف الناتو في أوروبا مع الولايات المتحدة منذ بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب. وأدى استخدام الرئيس ترامب للرسوم الجمركية كأداة في السياسة الخارجية ضد الحلفاء، كما ضد الخصوم، إلى توسيع الهوة بين كندا وأوروبا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى. وتدهورت العلاقات الأوروبية-الأميركية مع استمرار الرئيس ترامب في التشكيك بجدوى حلف الناتو، ووصلت إلى مستوى غير مسبوق، بعد أن أحيا الرئيس ترامب، بشكل علني واستفزازي، رغبته بالسيطرة على جزيرة غرينلاند، التي تملكها الدانمارك. وتزامنت أزمة غرينلاند مع تصعيد القصف الصاروخي الروسي لمحطات الكهرباء لحرمان الأوكرانيين من الدفء خلال شتاء بارد للغاية.

ولخصت كايا كالاس الممثلة العالية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية الحرب في أوكرانيا في مداخلة على موقع أكس (تويتر سابقا) حيث كتبت، “موسكو لا تتمتع بمناعة ضد الهزيمة. وفي ساحة المعركة، جيشها وصل إلى طريق مسدود، وفي الداخل اقتصادها يمر بأزمة”، وأضافت، “من خلال زيادة الضغط مع شركائنا، وزيادة الدعم العسكري لأوكرانيا، يمكننا أن نقلص مدى الحرب”.

يؤكد الغزو الروسي لأوكرانيا صحة المقولة المنسوبة إلى المارشال البروسي هيلموث فون مولتكي في القرن التاسع عشر: “لا خطة تبقى كما هي عندما تحدث المواجهة مع العدو”، والتي تعني أن الخطط النظرية والاستراتيجيات الجامدة التي يتم اعتمادها قبل الحرب، تصبح دون جدوى أو غير فعالة، عندما تسيطر عوامل الفوضى وانعدام اليقين، أو عندما يهيمن “ضباب المعركة” وردود فعل العدو غير المتوقعة، على القتال.

عندما اجتاحت القوات الروسية الحدود الأوكرانية في أكثر من موقع، في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 2022، كانت توقعات المسؤولين السياسيين والمخططين العسكريين في موسكو هي أن القوات الروسية سوف تصل إلى عاصمة أوكرانيا، كييف خلال ثلاثة أيام. في الثاني عشر من يناير/كانون الثاني الماضي، تخطى غزو أوكرانيا 1418 يوماً، وهذا الرقم يتعلمه كل طفل سوفياتي أو روسي، لأنه يؤرخ طول الفترة الزمنية للانتصار السوفياتي على ألمانيا النازية، من لحظة بداية الاجتياح الألماني للاتحاد السوفياتي في 1941 إلى لحظة سقوط برلين المحترقة في أيدي القوات السوفياتية في الثاني من مايو/أيار 1945.

آنذاك كان دحر القوات السوفياتية المنظم للقوات الالمانية يوصف بانه مماثل للمدحلة (Steamroller) التي تحطم كل من يقف في وجهها. بعد أربع سنوات من القتال الضاري، وبعد خسارة ما بين 1.2 و1.5 مليون جندي، بين قتلى وجرحى ومفقودين، لا تزال القوات الروسية عاجزة عن احتلال بقية الأراضي الأوكرانية في إقليم دونباس، التي تريد ضمه إلى أراضيها. ومع أن القوات الروسية تواصل هجماتها، وتتمتع بتفوق بسيط، إلا أنها تسيطر حتى الآن على 20 بالمئة فقط من أراضي أوكرانيا.

عشية غزو أوكرانيا، كان الاحتياط المالي لروسيا من العملات الأجنبية والذهب يقّدر ب 630 مليار دولار. حوالي نصف هذا الاحتياط كان بعملات أجنبية مثل الدولار واليور  والستيرلينغ، مودع في مصارف غربية، حيث سارعت هذه الدول إلى تجميد هذه الودائع، لحرمان موسكو من استخدامها لتمويل الحرب ضد أوكرانيا. قبل الغزو، كانت موسكو تتمتع بمكانة جيدة نسبياً في العالم، وكانت علاقاتها الاقتصادية وحتى السياسية مع الدول الأوروبية تتحسن باستمرار بعد أن تدهورت عقب استيلاء روسيا على جزيرة القرم في 2014. علاقات موسكو بواشنطن كانت فاترة، ولكنها لم تكن عدائية.

ولكن غزو أوكرانيا، أدى إلى عزل روسيا، بعد أن تحولت الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى خصوم لروسيا، وفرضوا عليها عقوبات اقتصادية وكأنها دولة مارقة. بعد الصمود المفاجئ للقوات الأوكرانية في وجه الاجتياح الروسي، سارعت الولايات المتحدة وأبرز الدول الأوروبية إلى تقديم المعونة العسكرية والمالية لأوكرانيا. وفجأة وجدت موسكو نفسها تعتمد على الصين لتعزيز ترسانتها العسكرية، ولتوسيع الأسواق أمام النفط الروسي، في دول مثل الصين والهند الذي بدأت تشتري المزيد من النفط الروسي بأسعار مخفضة. وأرغمت الخسائر البشرية موسكو على طلب الذخيرة والجنود من كوريا الشمالية، التي أرسلت حوالي خمسة عشر ألف جندي إلى الجبهة الروسية-الأوكرانية، كما تطور التحالف الإيراني- الروسي بعد قيام طهران بتزويد موسكو بمئات المسيرات لقصف الأهداف الأوكرانية.

وبما أن الخطط الروسية العسكرية اصطدمت وتحطمت على أرض المعركة، وتحول الغزو الذي كان يفترض أن ينتهي خلال أيام أو أسابيع بانتصار روسي واضح، إلى حرب استنزاف في خنادق مماثلة لخنادق الحرب العالمية الأولى، أصبحت أوكرانيا الهاجس الأول والملّح للقيادة الروسية في موسكو، وأضعف من قدرتها على التأثير على التطورات والتغييرات السياسية والاستراتيجية العالمية.

وهذا يفسر اخفاق موسكو في انقاذ حليفها الرئيس السوري السابق بشار الأسد، الذي اطاح به شعبه في أواخر 2024، أو في حماية حليفها الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو من مخالب الرئيس ترامب الذي خطفه مع زوجته من قلب العاصمة كاراكاس. كما أن تحديات الحرب في أوكرانيا، منعت موسكو حتى من مساعدة إيران وحلفائها من الهجمات الإسرائيلية والأميركية في السنة الماضية.

وعلى الرغم من قبول الرئيس ترامب لمعظم السردية الروسية التي دفعت الرئيس بوتين لغزو أوكرانيا، ووصف ترامب للرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي بأنه يحكم كدكتاتور، ونصب له كميناً في البيت الأبيض، أخفق الرئيس بوتين في استغلال انتقادات الرئيس ترامب ونائبه جي دي فانس لحلف الناتو، ولقادة أوروبا لعجزهم عن وقف الهجرة من عالم الجنوب، والتي تهدد بمحو الحضارة الغربية كما يدّعون. تصلب بوتين أحرج ترامب، الذي يقوم بين وقت وآخر بتوجيه الانتقادات له، الأمر الذي يمكن أن يزيد العلاقات بينهما فتوراً. وعلى الرغم من طرح ترامب ومستشاريه لخطة سلام، لا يزال بوتين يحاول اجهاضها.

تصلب الرئيس بوتين في قبول تسوية مدعومة من الرئيس ترامب، الذي يقبل بسلخ أراض أوكرانية لصالح روسيا، أحرج ترامب الذي كان يبالغ قبل انتخابه أنه سيوقف الحرب خلال اليوم الأول له في البيت الأبيض. وهذا بدوره أظهر محدودية النفوذ السياسي والديبلوماسي الأميركي في العالم، مع محاولات ترامب المستمرة تقليص الاهتمام بالقارة الأوروبية، وتقليص الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، والتركيز على أميركا اللاتينية من خلال إحياء “مبدأ مونرو” نسبة إلى الرئيس الأميركي الخامس جيمس مونرو الذي أراد السعي لتقليص التدخل الأوروبي في شؤون أميركا اللاتينية.

المضاعفات الكارثية للغزو الروسي لأوكرانيا على مستقبل القارة الأوروبية والتغييرات السياسية والعسكرية التي انبثقت عن الحرب، والتي أثرت على دول شرق آسيا والشرق الأوسط، من المرجح أن تستمر لسنوات عديدة. وإذا أضفنا إلى عدوانية بوتين، “النظام” الفوضوي الجديد الذي خلقه تهور الرئيس ترامب، الذي يهدد ما بقي من المؤسسات والأعراف الديموقراطية الأميركية، تزداد السنوات المقبلة قتامة.

وفي ظل غياب تغييرات جذرية في واشنطن، سيواصل ترامب تقويض العلاقات والمؤسسات الدولية والتحالفات التي خلقتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، واستخدمتها لصيانة أطول فترة سلام تشهدها القارة الاوروبية في تاريخها، وتوجت نفسها لعقود القوة العظمى الوحيدة في العالم. كما أن اصرار الرئيس بوتين على سياساته التوسعية، سيكون بمثابة سيف معلق فوق رؤوس قادة الاتحاد الأوروبي.

لا أحد يعلم بيقين عمق التحولات الجذرية السلبية في العالم التي خلقها الرئيسان بوتين وترامب، وإلى أي مدى ستستمر. ما هو واضح ان العالم يتغير وتزداد ملامحه قسوة وحقداً وبروداً وغرابةً.

الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.

هشام ملحم

باحث غير مقيم

التحليلات

ترامب والمزاج الأمريكي القاتم

في ظل هذا المزاج المتشائم يتساءل الكثير من الأمريكيين عن معنى أن يكون المرء مواطناً أمريكياً في هذه اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد والعالم.

هشام ملحم

7 دقائق قراءة

ترامب يقوض النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة

النظام العالمي، كما نعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مقبل على اضطرابات خطيرة، وتغييرات قاتمة من المستحيل التحكم بها.

هشام ملحم

7 دقائق قراءة

ترامب بين شبح أبستين وقاعدته

بين المشاكل الداخلية والانقسام الجمهوري، هل يخسر ترامب قاعدته الشعبية التي أبقته في الصدارة؟

هشام ملحم

5 دقائق قراءة

2025 سنة مفصلية بامتياز

جاءت سنة 2025 لتؤكد من جديد أن أي تسونامي أميركي، سياسي أو اقتصادي، لا يمتحن فقط الولايات المتحدة، بل يحمل فوضاه إلى أقاصي الأرض.

هشام ملحم

9 دقائق قراءة

عرض الكل