ترامب والمزاج الأمريكي القاتم
في ظل هذا المزاج المتشائم يتساءل الكثير من الأمريكيين عن معنى أن يكون المرء مواطناً أمريكياً في هذه اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد والعالم.
خلال ربيع سنة 1970 شهدت الجامعات الأمريكية تظاهرات واسعة ضد حرب فيتنام، التي كانت في أوجها آنذاك، بعد أن أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون عن توسيع رقعة الحرب لتشمل كمبوديا. جاءت هذه التظاهرات الاحتجاجية بعد عقد الستينات، الذي هز البلاد بعنف غير مسبوق داخلياً وخارجياً، حيث احترقت أحياء بكاملها في كبريات المدن الأمريكية عقب اغتيال قائد حركة الحقوق المدنية القس مارتن لوثر كينغ في 1968، وهي السنة ذاتها التي شن فيها الفيتكونغ وجيش فيتنام الشمالية أكبر حملة عسكرية في تاريخ الحرب ضد القوات الأمريكية وحلفائها، استمرت لأسابيع، وأدت إلى مقتل حوالي 4 آلاف عسكري أمريكي.
التظاهرات الاحتجاجية في الجامعات دفعت بالرئيس نيكسون، وبعض حلفائه المحافظين من حكام الولايات، إلى نشر عناصر من الحرس الوطني للتصدي للطلاب “الراديكاليين والشيوعيين”، كما وصفهم حاكم ولاية أوهايو جيمس رودس، الذي نشر الحرس الوطني في جامعات الولاية، ومن بينها جامعة كينت.
في الرابع من مايو/أيار، تجمع مئات الطلاب تحضيراً لتظاهرة ظهر هذا اليوم، وحين تقدمت وحدات الحرس الوطني تجاههم، رمى بعض الطلاب عناصر الحرس بالحجارة، فرد هؤلاء بإطلاق الغاز المسيل للدموع. وسرعان ما تدهور الوضع بشكل مأساوي، عندما قامت وحدة من قوات الحرس الوطني بإطلاق النار (67 رصاصة) على عدد من الطلاب العزل، فقتلوا أربعة طلاب، شابين وشابتين في التاسعة عشرة والعشرين من العمر، أثنين منهما كانا في طريقهما لحضور حصة دراسية، وجرحوا تسعة أخرين.
أثارت أحداث العنف في جامعة كينت، وإهانات الرئيس نيكسون للطلاب، موجة غضب عارمة طالت الحرب والرئيس نيكسون والحرس الوطني والاستقطابات السياسية، وعجز النظام السياسي ككل في منع البلاد من الانزلاق إلى الفوضى والعنف. مشاعر انعدام اليقين، والشكوك في صدقية المسؤولين والمؤسسات الحكومية، والخوف من العنف الذي يمكن أن تمارسه السلطات، أصبحت سائدة، ودفعت بالعديد للتساؤل إلى أين تسير البلاد، وهل يمكن صيانة النظام الديموقراطي في ظل حرب شرسة، تشوه وتقتل آلاف الشباب الأمريكيين على بعد آلاف الأميال، وفي ظل الاستقطابات والترهيب والعنف التي تمارسه حكومة لا تتردد في اللجوء إلى أساليب غير ديموقراطية لصيانة نفوذها.
الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا خلال الأسابيع الماضية، والتي تسبب بها نشر الرئيس ترامب لعناصر من حرس الحدود والمسؤولين عن ضبط الهجرة بحجة تعقب المهاجرين غير الموثقين والمتهمين بارتكاب جرائم عنف بهدف اعتقالهم وترحيلهم، سرعان ما تدهورت وتحولت إلى مواجهات في الشوارع بين المواطنين، الذين احتجوا ورفضوا أساليب القمع التي استخدمها الحرس ضد المهاجرين، والمواطنين على حد سواء. ويأمل الرئيس ترامب ومستشاره لشؤون الهجرة المتشدد ستيفن ميلر، استهداف الجالية الصومالية، الكبيرة نسبياً، في مينيابوليس، بعد أن وصف الرئيس ترامب الصوماليين، بمن فيهم النائبة إلهان عمر، صومالية الأصل، “بالزبالة”، الذين يستحقون الترحيل إلى بلادهم الأصلية.
وكان الرئيس ترامب قد وسع هذه القوى من خلال تجنيد المزيد من الحرس، وتخصيص ميزانية ضخمة لتمويل عمليات عديدة لاعتقال وترحيل المهاجرين، أمر بها ترامب، وطالت عدداً من كبريات المدن الأمريكية، التي يقودها مسؤولون ينتمون إلى الحزب الديموقراطي، عارضوا جميعهم نشر هذه القوات في مدنهم وولاياتهم. ويتهم معارضو ترامب في الكونغرس والاعلام ومؤسسات المجتمع المدني، بأنه يستخدم هذه القوى وكأنها جهاز شرطة خاص به.
وتحيط السرية بهذه العناصر، التي يتم تجهيزها بأحدث الأسلحة والآليات، ويرتدي أفرادها الخوذات والأقنعة التي تخفي وجوههم. ويتلقى بعض هذه العناصر، وخاصة قياداتها دورات تدريبية في إسرائيل، في سياق برامج التبادل بين الدولتين، حيث يتم التركيز على المشاركة في الاستخبارات حول العمليات المضادة للإرهاب، واستخدام أفضل الأساليب الأمنية وضبط الحدود. وتقوم منظمات يهودية أمريكية، مثل منظمة مكافحة التشويه، بتنظيم الندوات والحلقات الدراسية لعناصر ضبط الحدود الأمريكيين في إسرائيل.
ولذلك لم يكن من المستغرب أن يستخدم حراس الحدود في شوارع المدن الأمريكية التي انتشروا فيها، الأساليب القاسية والقمعية التي يستخدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية. وفي الأيام الماضية بدت شوارع مدينة منيابولس، التي سيطر عليها آلاف الحراس المسلحين والملثمين، وكأنها تحت احتلال أجنبي، حيث لا يتردد الحراس برّش المواد الكيمائية في أوجه المتظاهرين، وتفريقهم بالقوة، أو اقتحام منازلهم شاهرين أسلحتهم، ودون الحصول مسبقاً على أوامر قضائية تسمح لهم بتفتيش المنازل، وفقاً للقانون.
عندما قتل عناصر الحرس الوطني الطلاب الاربعة في جامعة كينت قبل 56 سنة، لم تكن هناك شبكة انترنت أو هواتف جوالة مزودة بكاميرات دقيقة، أو أياً من وسائل الاتصال الاجتماعي التي تستخدم اليوم. والصورة الأكثر شيوعاً لعنف جامعة كينت كانت لطالبة راكعة على الأرض قرب جثة طالب، وهي تصرخ بهلع. وأصبحت الصورة أيقونة تلخص الحالة الكارثية التي كانت تمر بها الولايات المتحدة آنذاك.
في السابع من شهر يناير/كانون الثاني، شاهد الملايين من الأمريكيين عشرات من مقاطع الفيديو لعنصر من حراس الحدود، وهو يطلق الرصاص على رينيه نيكول غود (37 سنة، ووالدة لثلاثة أطفال)، وهي تحاول أن تقود سيارتها بعيداً عن الحراس الذين طالبوها بالنزول منها. أصيبت رينيه غود بثلاثة رصاصات قتلتها فوراً.
وفي الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني، أطلق عنصرين من حراس الحدود عشرة رصاصات قتلت أليكس بريتي (37 سنة، ويعمل كممرض في مستشفى تابع لوزارة شؤون المحاربين القدامى)، الذي كان يصور الحراس وهم يضربون المتظاهرين، وأمسكوا به بالقوة حين حاول مساعدة امرأة رماها أحد الحراس بقوة على الأرض. وخلال ثوان نزع أحد الحراس مسدساً (مرخصاً) كان في جيب بريتي، وتبع ذلك قتله بدم بارد. جميع مقاطع الفيديو أظهرت أن بريتي لم يشهر مسدسه، ولم يعتد على أي من الحراس.
وعقب مقتل رينيه نيكول غود وأليكس بريتي، قامت إدارة ترامب، ممثلة بوزيرة الأمن الوطني كريستي نوم والمسؤول عن عمليات الحراس في مينيابوليس غريغوري بوفينو ومستشار ترامب في مجلس الأمن القومي ستيفن ميلر، وقبل إجراء أي تحقيق، وقبل أن تجف دماء الضحيتين بخلق سردية كاذبة للتغطية على حقيقة ما شاهده الملايين، واتهموا الضحيتين بأنهما “ارهابيين محليين”، وهددا أرواح حراس الحدود، الذين اضطروا لاستخدام مسدساتهم لحماية أنفسهم.
بعد مقتل أليكس بريتي، ادعت كريستي نوم أنه كان شاهراً مسدسه، وكان يهدف إلى قتل الحراس. المسؤول عن الحراس غريغوري بوفينو، اتهم بريتي بأنه جاء إلى مكان الحادث لارتكاب “مجزرة” ضد حراس الحدود. أما ستيفن ميلر فقد لجأ إلى وسائل الاتصال الاجتماعي لوصف بريتي بBنه “سفاح”.
التغطية الرسمية على حقيقة ما جرى، واسراع المسؤولين إلى تلفيق الأحداث، أثارت الاحتجاجات والتظاهرات في مدن أمريكية عديدة، وأرغمت بعض المشرعين الجمهوريين في الكونغرس إلى المطالبة بإجراء تحقيق مستقل (إدارة ترامب رفضت في البداية اجراء تحقيق في مقتل رينيه غود)، ومطالبة الرئيس ترامب بطرد الوزيرة كريستي نوم.
في مواجهة المضاعفات السلبية السياسية للعنف الرسمي غير المبرر في مينيابوليس، وفي أعقاب ارتفاع حدة الغضب الشعبي، ومطالبة المسؤولين في ولاية مينيسوتا بسحب عناصر حراس الحدود، اضطر الرئيس ترامب إلى التحرك لاحتواء الأزمة، التي ساهمت في انحسار في شعبيته وفقاً لاستطلاعات الرأي المختلفة، وكان أخرها استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز، التي أكدت أن أكثرية من الأمريكيين 61 بالمئة تعترض على ممارسات حراس الحدود في المدن الأمريكية، وأن 58 بالمئة لا يوافقون على معالجته لأزمة الهجرة، وإن أيدت هذه الأكثرية إبقاء الحدود الجنوبية مع المكسيك مغلقة في وجه المهاجرين غير الموثقين. وأرسل ترامب المسؤول الأول عن ضبط الحدود توم هومان إلى مينيابوليس للإشراف على التحقيق، وعلى عمل حراس الحدود، بعد أن قرر سحب المسؤول المباشر عن العملية غريغوري بوفينو، المعروف بتشدده، ومبالغاته. وبعد أن رفض الرئيس ترامب لأسابيع أن يتحدث مع حاكم مينيسوتا ورئيس بلدية مينيابوليس، بعد لومهما على العنف، تراجع عن موقفه وتحدث معهما، وقال إنه يمكن أن يخفف من عدد حراس الحدود، وهو مطلب أساسي لسلطات الولاية.
هذا التراجع البسيط من قبل ترامب لا ينف مسؤوليته عن الفوضى والعنف في مينيابوليس، وغيرها من المدن الأمريكية، لأن مواقفه من الهجرة والمهاجرين، وخاصة المهاجرين من عالم الجنوب، اتسم بالعنصرية والتشدد والمبالغات، واستعداده لاستفزاز الأمريكيين الذين لا يشاركونه في مواقفه المتعلقة بالهجرة والمهاجرين. ومن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يغير ترامب من مواقفه.
مقتل رينيه غود وأليكس بريتي يمثل لحظة مفصلية لترامب، ويمكن أن يشجع مشرعين جمهوريين للتعاون مع الديموقراطيين في المطالبة بطرد أو محاكمة الوزيرة كريستي نوم، خاصة وأن مضاعفات عنف مينيابوليس ستبقى في مخيلة الأمريكيين مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وكما حدث بعد مقتل طلاب جامعة كينت، فإن المزاج الشعبي العام قاتم، حيث يرى الكثير من الأمريكيين أن البلاد تسير نحو أزمة سياسية خطيرة. الرئيس ترامب الذي لا يتصرف أو يتحدث كغيره من الرؤساء الأمريكيين قد اتخذ قرارات انقلابية جذرية وسلبية غيرت من طبيعة اللغة السياسية في البلاد، وطالت جميع أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في المجتمع الأمريكي، وخلقت شروخات عميقة تتطلب زمنا طويلا لتخطيها.
هذا المناخ الداكن الذي تسبب به ترامب، خلق مشاعر خوف وانعدام يقين لم تكن موجودة قبل حقبة حكمه. وهناك شكوك بقدرة البلاد، حتى بعد رحيله عن السلطة، على انقاذ وصيانة المؤسسات والأعراف الديموقراطية في البلاد، أو إصلاح علاقات الولايات المتحدة الدولية. وفي ظل هذا المزاج المتشائم يتساءل الكثير من الأمريكيين عن معنى أن يكون المرء مواطناً أمريكياً في هذه اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد والعالم.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.