ترامب يقوض النظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة
النظام العالمي، كما نعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مقبل على اضطرابات خطيرة، وتغييرات قاتمة من المستحيل التحكم بها.
يقول المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس في كتابه تاريخ الحرب البيلوبونيسية: “القوي يفعل ما يشاء، والضعيف يتحمل ما يُفرض عليه”.
في النصف الأول من الشهر الجاري، أطاح الرئيس ترامب برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، واختطافه إلى سجن أميركي، وتعهد “بإدارة” البلاد واحتياطها النفطي الهائل، ولحق ذلك بتوجيه تهديدات سافرة وفظة إلى المكسيك وكولومبيا وكوبا، وحشد القوات البحرية والجوية لضرب إيران، وأحيا إصراره على تنفيذ طموحاته التوسعية بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند التي تملكها مملكة الدانمارك. ومنذ بداية ولايته الثانية، بدأ ترامب بتهديد النظام القانوني الدولي، من خلال التهديد “باسترداد” قناة بنما، وضم كندا وتحويلها إلى الولاية الواحد والخمسين للولايات المتحدة، والسيطرة على قطاع غزة وإدارته، إضافة إلى أوامره بشنّ هجمات ضد دول في آسيا وأفريقيا. كل هذه الأحداث تشير إلى أن النظام العالمي كما نعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مقبل على اضطرابات خطيرة، وتغييرات قاتمة من المستحيل التحكم بها.
وبعد أربع سنوات من الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي قوض التوازن الاستراتيجي في القارة الأوروبية منذ القضاء على النازية والفاشية قبل ثمانين عاماً، وتهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للدول الأوروبية الأخرى، يقوم الرئيس ترامب بإجراءاته العسكرية، واستخفافه بالقانون الدولي وانتقاداته اللاذعة ضد حلفاء واشنطن، وخاصة في أوروبا، بالتدمير التدريجي والمنظم للنظام العالمي الذي بنته الولايات المتحدة وحلفائها على ركام الحرب العالمية الثانية والقائم على احترام القواعد والقوانين الدولية، التي عبرت عنها المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة الصحة العالمية، ولاحقاً المعاهدات التي تحرّم استخدام الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وعلى احترام القيم الجديدة وفق الإعلان العالمي لحقوق الانسان.
ومع أن هذا النظام، الذي قادت الولايات المتحدة جهود بنائه وحتى تمويله، بصفتها الدولة الأقوى اقتصادياً وعسكرياً بعد الحرب، إضافة إلى تمويل مشروع مارشال لإعادة بناء القارة الأوروبية، لم يكن مثالياً، ولم يكن كافياً لوقف النزاعات الدولية، إلا أن المبادئ والأعراف التي بنيت عليها المؤسسات الجديدة، خلقت توازنات استراتيجية منعت على الأقل الحروب بين الدول الكبرى، وحققت أطول فتره من السلام في القارة الأوروبية، منذ ما كان يعرف باسم “عهد السلام الروماني”. خلال هذه الفترة، على الرغم من عدم مثاليتها، تم تحقيق إنجازات علمية وصحية وتقنية، استفادت منها جميع المجتمعات في العالم.
ودفعت الممارسات الفوضوية للرئيس ترامب، برئيس ألمانيا فرانك والتر ستاينماير إلى توجيه انتقاد لاذع للولايات المتحدة، وحض الدول الديموقراطية على “منع العالم من التحول إلى وكر للصّوص، بحيث يتمكن أي عديم للضمير أن يستولي على ما يريده، بحيث تتم معاملة مناطق ودول بكاملها وكأنها ملكية بضعة قوى كبرى”.
هذه المواقف العنجهية والتهديدات التلقائية، والمتناقضة أحياناً، مثل التخلي عن فرض السيطرة الأميركية على قطاع غزة وتحويله إلى “ريفييرا” على البحر المتوسط، أربكت قادة الدول الحليفة والمعادية معاً والخبراء في العلاقات الدولية، وفرضت على الحلفاء التملق أحياناً لترامب الذي لا يخف نرجسيته، أو الاستثمار المالي في مشاريعه ومشاريع عائلته، أو تكريمه علنا مثل دعوته للمرة الثانية للقيام بزيارة رسمية لبريطانيا. ويجد الحلفاء والخصوم أنفسهم، وهم يحاولون بصعوبة التأقلم ليس فقط مع مزاج ترامب، بل مع محاولاته تغيير الحقائق السياسية والجغرافية العالمية، واستعداده لاستخدام القوة، أو الأساليب غير التقليدية لحل النزاعات الدولية.
ظاهرة ترامب لا مثيل لها في تاريخ الجمهورية الأميركية التي ستحتفل هذه السنة بالذكرى المئتين والخمسين لتأسيسها. فهو لا يتصرف أو يتحدث كرئيس، ولا يؤمن بوجود شيء اسمه “تضارب المصالح”، وهذا يفسر استهتاره بالقوانين والقواعد التي تمنع المسؤولين الحكوميين من استغلال مناصبهم لجني الثروات، كما يرفض الالتزام بالقواعد والقوانين والأعراف الدولية، التي التزم بها أو بمعظمها، أكثرية الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه. خلال مقابلة طويلة مع صحيفة نيويورك تايمز، سُئل ترامب إذا كانت هناك قيود على استخدامه للقوة في العالم، فأجاب، “نعم، هناك شيء واحد هو أخلاقي وضميري. هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني. أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي”. مستشار الرئيس ترامب ذو النفوذ الواسع، ستيفن ميلر، كان أكثر فظاظة من سيده، لخّص بكلمات قليلة رؤية ترامب للعالم، حين قال لشبكة سي إن إن” نحن نعيش في عالم تحكمه القوة والسلطة”.
تفرد الرئيس ترامب في ولايته الثانية باتخاذ القرارات الهامة في الداخل، وذلك على حساب تجاهل المؤسسات المساوية لسلطته التنفيذية، أي الكونغرس والمحكمة العليا، والسياسات الانقلابية التي اعتمدها في الخارج، تدفع العالم تدريجياً إلى اعتماد سياسة المحاور ومناطق النفوذ، التي كانت تفرضها الدول الكبرى أو الإمبراطوريات في السابق حول محيطها الجغرافي، واللجوء إلى التنافس الشديد بين الدول الكبرى، وبسط سيطرتها بالترهيب أو القوة على مناطق نفوذها، وتجاهل القانون الدولي، والتصلب في الدفاع عن المصالح الوطنية الضيقة، وإحياء الشكوك والمخاوف من المهاجرين، ومن الأعراق والثقافات والأديان الاخرى.
طموحات ترامب الخارجية التي يقول أنه يمكن أن يطبقها بالقوة إذا اقتضى الأمر، وهذا ما رأيناه في ولايته الثانية، ورغبته بإحياء النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية وفق “مبدأ مونرو”، الذي فرضه الرئيس الأميركي الخامس جيمس مونرو، والمصمم لمنع الدول الأوروبية من التدخل في شؤون أميركا اللاتينية، والحرب التوسعية التي شنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا، وعدم وجود قوى أو مؤسسات دولية تمنع هذه الممارسات، تعني أنها سوابق ستستغلها قوى كبرى أخرى، مثل الصين التي تهدد دائما باحتلال تايوان، وبسط نفوذها في شرق آسيا، أو الهند التي تريد ضم ولاية كشمير إليها، إضافة إلى مطامع إسرائيل بضم الأراضي الفلسطينية المحتلة وأراضي سورية، وربما لبنانية، بالقوة إليها.
توقع الأميركيون والعالم أن يتصرف ترامب في ولايته الثانية بشكل متقلب وتلقائي وفوضوي، ولكن لم يتوقع أحد مدى واستعداد الرئيس الأميركي لتقويض الأسس التي بنيت عليها المؤسسات والقوانين الدولية في عالم ما بعد الحرب العالمية، وعدم تردده في زّج العالم في فوضى وخلق مشاعر الخوف والشكوك بصدقية الولايات المتحدة في أوساط الحلفاء، بمن فيهم الذين شاركوا في بعض حروبها في الثمانين سنة الماضية.
وفي الوقت الذي يقوم فيه الرئيس ترامب بتفكيك أسس وهياكل القوانين والأعراف الدولية، يواصل أيضا تفكيكه وإضعافه لقيم ومؤسسات الديموقراطية في الداخل، بما في ذلك انتهاك الدستور أو الالتفاف حوله وتجاهل قرارات القضاء، بما في ذلك توجيه الانتقادات والإهانات الشخصية للقضاة، ومواصلة ترهيب واستغلال مؤسسات المجتمع المدني من وسائل الاعلام وحتى الجامعات، واستخدام القوات المسلحة ونشرها في شوارع المدن والولايات، التي يقودها مسؤولون ديموقراطيون، بشكل مخالف للدستور، الذي يسمح فقط باستخدام القوات المسلحة في الحالات الطارئة مثل حصول عصيان مسلح، والتي أدت إلى قتل وجرح واعتقال مواطنين أميركيين، باسم تطهير البلاد من المهاجرين غير الموثقين، الذين لديهم سجل اجرامي.
لا أحد يعلم بيقين ما الذي سيعقب الإطاحة بالرئيس مادورو في فنزويلا، لأن ما حدث في كاراكاس لا يتعدى إزالة قمة الهرم فقط، ولكن الهرم بتسلطه وفساده لا يزال موجوداً. ترامب يريد أن يضع يده على أكبر احتياطي للنفط في العالم، وإن كان القطاع النفطي في فنزويلا قديم، وبحاجة إلى إعادة بناء شاملة، الأمر الذي لن تقوم به شركات النفط الأميركية إلا بعد تغييرات سياسية وأمنية جذرية في البلاد، عدا عن أن بناء هذا القطاع يتطلب عشرات المليارات من الدولارات، وسنوات عديدة، في دولة غير ديموقراطية، تنتشر فيها الميليشيات والتنظيمات المسلحة.
وبعد أن اقترب ترامب من إصدار الأوامر بضرب إيران عسكرياً، أو من خلال العمليات السرية التي تشمل اغتيال قيادات عسكرية، أو الوسائل الإلكترونية، لمعاقبة النظام على قمعه الدموي للاحتجاجات، التي عمت البلاد منذ نهاية الشهر الماضي، ألمح الرئيس ترامب مؤخراً إلى أن العقاب العسكري، قد تم تعليقه في الوقت الحالي، وإن لا يزال وارداً، ونسب إلى مصادر إيرانية مطلعة قولها، إن “أعمال التقتيل قد توقفت، وأنه لا توجد هناك خطط لاستئناف الإعدامات”. ووفق منظمات حقوق الإنسان في إيران وفي الغرب، زاد عدد القتلى المدنيين الذين سقطوا منذ بدء الاحتجاجات عن أكثر من ثلاثة آلاف شخص.
وكان ترامب قد أوحى قبل أيام أنه يميل إلى معاقبة النظام الإيراني إذا واصل قمعه الدموي للمتظاهرين، حين حض “الوطنيين الإيرانيين” على مواصلة احتجاجاتهم، واحتلال المراكز الحكومية إذا أمكن، واعداً المتظاهرين بأن المساعدة في الطريق إليهم.
وليس من الواضح ما إذا كان ترامب يبحث عن وسيلة لتبرير عدم تنفيذ تهديداته، أو أنه سينفذها لاحقاً، ولكن التقييم السائد في أوساط المسؤولين الحكوميين والخبراء في مراكز الأبحاث، هو أن النظام الإسلامي في إيران، بعد النكسة العسكرية التي تعرض لها على يد إسرائيل، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي لا يستطيع الخروج منها بسرعة، يواجه الآن أكبر تهديد له منذ صوله إلى السلطة قبل حوالي نصف قرن.
ممارسات ترامب الخارجية، واستخفافه بالقوانين الدولية، واستخدامه للترهيب والعنف حتى ضد الحلفاء القدامى، كما يبدو من مواقفه العدائية والتوسعية تجاه جزيرة غرينلاند، وميله إلى فرض إرادته على عالم يتخوف من تحول الولايات المتحدة، كما قال النائب الجمهوري آندي أوغلز إلى الدولة “المفترسة والمسيطرة في جميع المناطق في العالم.”
الرئيس ترامب اليوم بممارساته “المفترسة” يقوم بتقويض النظام العالمي الذي بناه رؤساء أميركيين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي على مدى ثمانين عاماً، واستخدموه لصيانة وحماية وتطوير الولايات المتحدة، وتحويلها إلى دولة عظمى، قبل تعرضها لتسونامي اسمه دونالد ترامب.
الآراء الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن وجهات نظر الكاتب/ة أو المتحدث/ة، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد دول الخليج العربية أو موظفيه أو مجلس إدارته.